حقيقـــــة مشــكلـة الـرق فى السودان فبراير 2003

يوسف الشريف

منذ استيلاء الجبهة الإسلامية على السلطة فى السودان عبر الانقلاب العسكرى الذى تزعمه العميد عمر حسن البشير فى 30 يونيو 1989، والحديث عن ممارسة الرق فى

المحـتــوي

منذ استيلاء الجبهة الإسلامية على السلطة فى السودان عبر الانقلاب العسكرى الذى تزعمه العميد عمر حسن البشير فى 30 يونيو 1989، والحديث عن ممارسة الرق فى القطر الشقيق ظاهرة تترى تباعًا ضمن الشواغل الإنسانية فى العديد من الصحف ومراكز الدراسات ومنظمات حقوق الإنسان فى أمريكا بوجه خاص، حيث أسفر هذا الاهتمام مؤخرًا عن خطة مبيتة لوصم العرب المسلمين فى الشمال بالقهر والجور فى تعاملهم غير الحضارى واللا إنسانى مع أبناء الوطن الواحد من الزنوج المسيحيين والوثنيين فى جنوب السودان، وتكمن خطورة هذا الاتهام فى كونه واحدًا من الادعاءات المغلوطة التى دأبت الإدارة الأمريكية على استخدامها فى تبرير مشروعية منح الجنوبيين حق تقرير المصير، إيذانًا بتقسيم السودان إلى دولتين وربما دويلات عرقية متناحرة يسهل السيطرة عليها. وإذا كان نظام الإنقاذ الحاكم فى السودان قد ارتكب جريمة سياسية وتاريخية فادحة حين أضفى القداسة على الحرب الأهلية، واعتبر قتال أبناء الشمال «جهادًا» فى سبيل الله، وضحاياهم شهداء أبرارًا فى جنة الخلد مع الملائكة والقديسين، بينما يعتبر الضحايا من أبناء الجنوب كفرة وملحدين ومأواهم النار وبئس القرار، فلا يلومن هذا النظام سوى نفسه إذا كان الرئيس بوش قد ابتلاه بالسيناتور جون دانفورث مبعوثًا شخصيا له فى السودان وهو أولاً قسيس الاعتراف للرئيس الأمريكي، وأيضًا مرشح التحالف المسيحى اليهودى واللوبى النفطى فى الكونجرس! ومنذ مباشرة دانفورث لمهامه فى السودان، وهو يذكى نيران الفتنة عرقيا تحت شعار الاضطهاد الدينى وانتهاك حقوق الإنسان الذى يكابده أبناء الجنوب، ومن ثم راح يدعم فى المقابل أنشطة المنظمات التبشيرية المشبوهة بنحو مليون دولار يوميا بدعوى الإسهام فى أعمال الإغاثة الإنسانية للمتضررين من ويلات المجاعات والأوبئة والمروعين بالحرب الأهلية، ولا شك أنه جهد مقدر ومشكور لدى الجنوبيين فى غياب الدور العربى وضعف إمكانات الحكومة السودانية، على أنه تزامن مع هذا النشاط شن حملة دعائية محمومة تستهدف وصم السودان بممارسة الرق، كان أول من روج لها الرابطة القومية الأمريكية المناهضة للرق (NAPS) تحت قيادة الدكتور أنطونى بول وهو رئيس شعبة الأحياء بكلية أوكورد فى هانتشفيل بولاية الباما، حيث تواصل إرسال أعداد من أعضائها إلى جنوب السودان ووضع التقارير الدورية عن تطورات ظاهرة الرق، فيما قامت الرابطة ببناء بعض المدارس ومساكن لإيواء التلاميذ فى عدد من القرى الجنوبية أوائل التسعينيات! وهكذا تسربت تلك التقارير إلى وسائل الإعلام الأمريكية، وراحت تتداعى لمأساة الرق فى السودان بشكل مثير للكراهية ضد العرب المسلمين فى السودان، وقد بدأت صحيفة «لوس انجيلوس تايمز» الحملة عام 1995 بتقرير نشرته حول غارة شنتها قوات الدفاع الشعبى التابعة للجبهة الإسلامية على إحدى قرى الجنوب لمطاردة فلول الحركة الشعبية التى تمارس التمرد تحت قيادة العقيد جون جارنج وقالت الصحيفة إن الغارة صرعت العديد من الرجال وأسفرت عن نهب الكثير من ممتلكات السكان و.. سبى بعض النساء والأطفال، ثم خلص التقرير إلى قصة تحرير الفتاة تريزا نيابول دينق ابنة الاثنى عشر ربيعًا من أسر الرق مقابل خمسين دولارًا! بعدها عرضت بربارا فوجل المدرسة بالصف الخامس فى إحدى مدارس مدينة دينيفر بولاية كلورادو الأمريكية قصة تريزا على تلاميذها، وسرعان ما انفعلوا بها وانخرطوا ضمن حملة دولية تهدف إلى شراء الأرقاء من سادتهم بغرض تحريرهم، ومن ثم تبرعوا مبدئيا بقيمة وجبة الغذاء لهذا الغرض. وفى أكتوبر عام 1996 دعا النائب دونالد.م. باين إلى جلسة استماع فى الكونجرس حول نفس القضية، ونجح فى تكوين هيئة خاصة لبحث المسألة السودانية فى الاجتماع السنوى للمؤتمر العام للسود، ثم لم تمض أيام حتى أطلق باين حملة مناشدة قومية تدعو إلى تحرير 103 بين نساء وأطفال من أسر الرق فى السودان، ونجحت الحملة فى الحصول على توقيعات الآلاف من الأمريكيين على المذكرة التى قدمت إلى الرئيس الأمريكى السابق بيل كلينتون والأمين العام للأمم المتحدة كوفى أنان. وكان المفوض السابق لحقوق الإنسان فى الأمم المتحدة، كاسبار بيرو قد زار السودان عدة مرات وخلص إلى وجود ممارسات للرق فى إطار الحرب الأهلية بين القوات الحكومية وقوات المعارضة بقيادة جارنج، بينما تقول منظمة «هيومان رايتس واتش» أن الحكومة لا تعير انتباهًا إلى سلوك أفراد قواتها وميلشياتها فى مناطق القتال، فى الوقت الذى عرضت حالات صارخة خضع فيها أطفال جنوبيون للتجنيد العسكرى قسرًا بعد انتزاعهم من وسط ذويهم، ثم ينتهى التقرير الأول للمنظمة الصادر عام 1995 بعنوان «أطفال الشوارع الأرقاء والأطفال الجنود» ثم الملحق الإضافى الصادر عام 1996 بعنوان «خلف خط النار»، إلى وصف مسهب للمجاعة فى جنوب السودان وشهادات موثقة حول ممارسات الرق. وقد أدانت المنظمة ـ وهى أمريكية ـ الحكومة السودانية لعدم التزامها بالمواثيق الدولية وخاصة ما يتعلق منها بحقوق الطفل، واتفاقية الرق لعام 1926، وكذا الاتفاقيات الملحقة بها عام 1956 حول مناهضة الرق، فيما استنكرت «هيومان رايتس واتش» نفى الحكومة السودانية للاتهامات الموجهة لها بهذا الخصوص، رغم ثبوتها فى أضابير لجان الأمم المتحدة، وأهابت فى نفس الوقت بالمنظمات الدولية المعنية مثل «اليونيسيف» و«الصليب الأحمر» للنهوض بمسئولياتها عبر التدخل لوقف هذه المعاناة الإنسانية وإنهاء تلك التجارة غير المشروعة! والشاهد أن الحملة كانت لها تداعياتها المؤسفة فى أوساط الأمريكيين السود، الذين تتنازعهم ذكريات الاسترقاق التى تعرض لها جدودهم وجداتهم، حين جرى انتزاعهم من بيئتهم وعائلاتهم الأفريقية وبيعهم عبيدًا لفلاحة الأرض والقيام بالأعمال الشاقة فى القارة الأمريكية الجديدة بعد اكتشافها على يد البيض الأوروبيين. وتروى الصحافة الأمريكية قصة شايلا مونتجمرى وهى كانت طالبة لعلم الأحياء فى كلية دوثان بألباما، وكيف تمكنت مع 18 طالبًا وطالبة من السود من قضاء أعياد رأس السنة عامًا بعد عام فى إحدى القرى التى تعانى ويلات الحرب الأهلية

© وجهات نظر . All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions