مأسـاة مي..!



لاشك أن مي كانت بحكم ولادتها الفلسطينية، وتربيتها اللبنانية، ثم إقامتها ووفاتها بمصر، الرائدة القومية السباقة إلي إنصاف المرأة وفك عزلتها حتي تتبوأ المكانة التي تستحقها، في وقت كانت ظلاً مهمشًا للرجل في شتي المجتمعات العربية! علي أن اسم «مي» مسبوقًا بوصفها آنسة، علي مدي الخمسة والخمسين من عمرها، كان اختصارًا لاسمها الكامل «مي ماري زيادة»، ولاتزال منذ رحيلها في أكتوبر 1941 الأسطورة الجميلة التي انتهت بمأساة عبثية، فهي كانت مثيرة للجدل، حين أكدت حضورها الطاغي في مجتمع القاهرة، وصالت وجالت علي مسرح الحياة الأدبية في مصر، كاتبة، وأديبة، وشاعرة متميزة واسعة الاطلاع، شجاعة وواثقة من نفسها وذات حضور غامر إلي حد اجتذاب الزعماء والعلماء ونجوم الإبداع والمفكرين إلي صالونها الأدبي بمنزلها رقم 28 بشارع عدلي اليوم ـ شارع المغربي عصر كل ثلاثاء، حيث كان يدور الحوار بينهم ثريا وممتعًا حول شتي القضايا، ومنهم من بثها الإعجاب أو الغرام، بينما لا يزال السؤال يراوح نفسه عن الحبيب المعلوم أو المجهول الذي شغفت به وبادلته العواطف المشبوبة! علي أن دورة حياتها العريضة التي صادفت اتهامها بالجنون وصحبة المجانين في مستشفي «العصفورية» بلبنان، كانت بمثابة عقدة الذنب لدي الكثير من النقاد وتأنيب ضمير الذين خالطوها من الأقارب والأصدقاء، وتقاعسوا عن إنقاذها وإنصافها ورد اعتبارها، ولعله يفسر مبادرة البعض منهم إثر رحيلها، إلي استجلاء صورتها الوضيئة، وتسليط الضوء علي إبداعاتها وعطائها الزاخر، ودحر الشائعات الباطلة التي لصقت بسمعتها العفيفة، عبر الكم الهائل من الكتب والدراسات والمقالات التي حاولت الإحاطة البانورامية بمشوار حياتها العريض علي مدي 55 عامًا! ولا نعتقد أن المطلوب في هذه الإطلالة علي سيرة مي الذاتية إعادة ما تناولته جملة هذا الزخم من الكتابات، وإنما سبر أغوارها عبر التحري والتحليل، والكشف عن أسرارها وخباياها، والسيناريوهات الدرامية التي انتهت بمأساتها، واعتماد النهج المقارن بين تعدد الرؤي والروايات حول هذه الشخصية المتفردة، بكل ملامحها وخصائصها، وتألقها وانكساراتها! صالون الآنسة هنا يلزم البوح بالسر وراء متابعتي الدءوبة لسيرة حياة مي، وقراءة معظم ما كتب أو روي عنها، إذ كان أستاذنا الشاعر الكبير كامل الشناوي لا غيره صاحب الفضل، عبر حكاياته الشائعة التي تناولت ذكرياته عن مي وذكريات أصدقائه الذين كانوا يتحلقون حولها في صالون الثلاثاء، وهو ما ضمنته كتابي عنه بعنوان: «آخر ظرفاء ذلك الزمان»! لم يكن صالون مي أول صالون أدبي لسيدة في تاريخ الأدب العربي ــ علي حد قول كامل الشناوي ــ فقد سبقها مجلس السيدة سكينة بنت الحسين رضي الله عنها، وكانت وهي العابدة المتبتلة تجالس الأجلة من قريش، ويجتمع إليها الشعراء، ويذكر أنها كانت تصفف شعرها باحتشام تصفيفًا جميلاً عرف باسم «الجمة السكينية»، وعندما رأي عمر بن عبدالعزيز رجلاً يصفف شعره علي طريقة السيدة سكينة أو بجلده وحلق شعره، وعندما سمعت جرير يروي عن صاحبه بيتاً من الشعر: طرقتك صائدة القلوب وليس ذا وقت الزيارة فارجعي بسلام قالت له: وأي ساعة أحلي من الطروق؟.. قبح الله صاحبك وقبح شعره! وكانت سكينة تطرب للغناء وتجيز المغنين، وكذلك مي التي كانت تهوي سماع الموسيقي وتهفو إلي العزف علي البيانو والعود، وأحيانًا ما كانت تستبقي طه حسين ومحمد حسن المرصفي بعد انصراف صالون الثلاثاء، حتي تغني لهما بصوتها الجميل «يا حنينه» من الفولكلور اللبناني! قبل صالون مي كانت هناك صالونات أدبية أخري للنساء، أشهرها صالون الأميرة نازلي الأرستقراطي بقصر عابدين، وكان من أبرز رواده سعد زغلول وقاسم أمين والشيخ محمد عبده، وكان الحديث بينهم يدور حول قضايا السياسة والإصلاح الاجتماعي والديني! وقد ظهرت مي لأول مرة علي الساحة الأدبية بعد ظهور أديبتين مصريتين هما عائشة التيمورية وكان لها ديوان من الشعر، والأخري «باحثة البادية» ملك ناصف كريمة القاضي الأديب حفني بك ناصف، وكانت تنشر المقالات وتثير العديد من القضايا الأدبية والاجتماعية في الصحف والمجلات، لكن عائشة وملك كانتا تتحدثان مع الرجال من وراء حجاب، ولم تظهرا في المجتمعات ولم تخطبا في حفلة، وذلك أن اختلاف الظروف والبيئة والثقافة والدين أفسح الطريق أمام مي، وخلفت من الآثار الأدبية ما يكفل لها في تاريخ الأدب العربي مكانة مرموقة، بينما سدت المنافذ في وجهي عائشة وملك! والشاهد أن مي التي ولدت في مدينة الناصرة الفلسطينية عام 1890 علي أب لبناني وأم فلسطينية، وشاءت تصاريف القدر أن تصحب والديها في رحلة النزوح إلي لبنان ولم تزل طفلة صغيرة، حيث تلقت دراستها في داخلية مدرسة الراهبات بعين الحلوة، فما أن شبت عن الطوق حتي بزغت موهبتها الأدبية، ثم ذاعت شهرتها ولم تزل في العشرين من عمرها، فكانت تكتب آنذاك بالعربية والفرنسية، فضلاً عن إتقانها الإنجليزية والألمانية والإيطالية والإسبانية، إذ كان دأبها الاطلاع علي شتي الآداب والثقافات، وهكذا صدر لها في تلك الفترة المبكرة ديوان من الشعر بالفرنسية وقصص قصيرة بالعربية. وبقدر ما كانت تحلق مي بذكريات الحنين إلي طفولتها السعيدة، حيث اختارت لنفسها اسم «كنار» والمعايشة البريئة في ملاعب الصبا مع ابن عمها «نعوم» وصديقه يوسف حايك الذي أصبح في شبابه نحاتًا شهيرًا، بقدر ما كانت تجتر أحزانها لأن ابن عمها تخلي دون سبب معلوم عن وعده بالزواج بها، وتلك كانت باكورة عثراتها العاطفية التي خلقت ندوبًا غائرة في قلبها! وإلي مصر كان النزوح الثاني مع أسرتها والإقامة في القاهرة منتصف عام 1907، وقد بدأت كتابة المقالات الأدبية والاجتماعية والنقدية في صحيفة «المحروسة» التي أصدرها والدها الياس زيادة، بالتزامن مع التحاقها لدراسة اللغة العربية وآدابها في الجامعة المصرية القديمة، ويروي الدكاترة زكي مبارك عن تلميذته مي، أنها كانت الفتاة الرشيقة، الجميلة المحيا، الحلوة العبارة وذات الصوت الساحر المنغم كما الموسيقي، وكانت سمراء في لون البن أو التمر هندي، كما يقول الشعراء، وكالمسك علي حد وصف متيم ليلي العامرية، وكانت تتدلل وتتباهي بسحرها بشكل تلقائي، وتستمتع بوصف المعجبين بها دون أن تبين، وربما من هنا تعلقت بها أحلام زملائها الطلبة! اختارت مي لنفسها أسماء مستعارة كانت توقع بها باكورة إبداعاتها الأدبية، وبينها «إزيس كوبيا» الذي وقعت به قصائدها بالفرنسية، ثم عربتها ووقعتها باسم «عائدة»، وعلي ما يبدو أنها كانت مترددة في الإفصاح عن نفسها، ورأت في الأسماء المستعارة بالونات اختبار لإبداعاتها وردود أفعالها لدي النقاد والقراء، ثم أبانت عن نفسها ووقعت باسم «مي» تارة و«الصغيرة» تارة أخري منذ خاطبها جبران خليل جبران في إحدي رسالاته بهذه الصفة إذ كانت تصغره بست سنوات! الكاتبة وجهت مي عنايتها ونذرت فكرها وجهدها لقضية تحرر المرأة العربية، وكان كتابها عن ملك ناصف أول الغيث علي هذا الصعيد، مع التنوير عبر عشرات المقالات الاجتماعية بالمناضلات الرائدات اللاتي حملن عبء الدفاع عن حقوق المرأة، وبينهن لبيبة هاشم صاحبة أول مجلة نسائية، والشاعرة عائشة التيمورية، وهدي شعراوي مؤسسة الاتحاد النسائي، ورفيقة دربها سيزا نبراوي، وكانتا قد خلعتا الحجاب إثر عودتهما من أوروبا وشاركتا في مؤتمر دولي حول المرأة، وكذا نبوية موسي التي قاطعها شقيقها حين التحقت للدراسة بالمجان في مدرسة السنية، وعلقت قائلة باستخفاف: لقد نقص من أقاربي واحد.. ولا ضير في ذلك، ثم واصلت التحدي والتحقت بمدرسة الحقوق العليا عام 1912، وصدر لها كتاب «المرأة العاملة» عام 1920 فندت في صفحاته مختلف الآراء المعارضة لعمل المرأة! ولم تكتف مي بإنصاف المرأة العربية عبر الكتب والمقالات فحسب، ولكنها وجدت في الندوات والمحاضرات متسعًا لكسب الأنصار لدعوتها، وفي الحلقة 18 من سلسلة التوثيق التاريخي لصحيفة الأهرام «ديوان الحياة المعاصرة» ينقل الدكتور يونان لبيب رزق الكثير عن مي بعد أن أصبحت كاتبة معتمدة في الأهرام، ويسلط الأضواء علي مقالاتها عن حرية المرأة، وكيف تألقت في إحدي محاضراتها عن نهضة المرأة في قاعة ايوارت بالجامعة الأمريكية، وحضرها جمهور غفير من العلماء والكتاب والأدباء ونحو 1200 من السيدات والآنسات، ونقل المحرر الذي شهد المحاضرة عن مي، حديثها الضافي عن دور نبوية موسي، وإشادتها بجمعية المرأة الجديدة، ثم توقفت طويلاً عند الفلاحة المصرية وواجب الأمة في تحريرها وانتشالها من وهدة الفقر والجهل والمرض، فهي التي أعطت الأمة خيرة عظمائها وأبطالها المكرمين، وأشارت إلي أن الزعيم سعد زغلول قال في الكلمة التي ألقاها بفندق سميراميس وجاء فيها «أيها السادة.. أملي أن أقول قريبًا «أيها السادة والسيدات» في مناشدة حارة للمصريين بتوجيه عنايتهم الخاصة من أجل نهوض المرأة و.. صفق الحاضرون طويلاً لمي! الطريف ــ بالمناسبة ــ أن الأهرام وهي كانت صحيفة محافظة وقتئذ، لم تجد غضاضة في نشر العديد من الرسائل وقصائد القراء الذين يبدون فيها إعجابهم الشديد وإبداعاتها، ومنها قصيدة قسطنطي بك داود كبير مترجمي السكك الحديدية ومطلعها: شرفت جنسك في العلوم والأدب يا من اعترف بها كل العرب قصيدة أخري نظمها شيخ الخطاطين نجيب هواريني يقول فيها: أضحي بيانك باسق الأغصان في روضة أهل العلم والعرفان ندوة أخري لمي نشرتها الأهرام في 21 فبراير 1928 وكانت بعنوان «ميزانية العائلة»، تبعتها محاضرة ألقتها مي في مؤتمر دولي بروما، وفيها اعتبرت الفقر مرضًا وخمولاً وعبودية، ولا صحة لمجتمع أفراده مرضي، ولا استقلال لوطن أبناؤه الأرقاء والعبيد، وإذا كانت الإحصائيات الدولية تؤكد علي أن 60% من الإيراد العام قيد تصرف المرأة، فعليها إذن أن تحسن التصرف في ميزانية العائلة، وإذا كان الاعتدال مطلوبًا، فالتبذير أمر ممقوت يلاشي ثروة العائلة كما يقضي علي راحتها وهنائها، لكن التقتير لا يقل عنه مقتًا، وإذا كان علي الإنسان أن يهيئ لنفسه ضرورة الحياة المباشرة، فعليه أن يتناول من الكماليات ما يحسن منظره ومنظر عائلته وينمي موهبته وموهبة ذويه، ويجمل منزله ويحيط نفسه بآثار الكياسة والذوق والجمال! صورتها علي غلاف الهلال في مجلة «الهلال» الشهرية، ظلت مي تنشر مقالاتها علي مدي 18 عامًا، ومعظمها كان دفاعًا حارًا وصادقًا عن حرية المرأة العربية، وكان آخرها عام 1935 مقالاً بعنوان «الأدب النسائي»، والملاحظ أنها كانت دومًا معتدلة في آرائها الاجتماعية ولا تؤمن بالطفرة، وفي مقالة مثيرة عن فن إرضاء الرجل تقول: «لا أقصد بذلك إرضاء من الوجهة الجنسية، وإنما الواجب علي المرأة أن تهيئ له وسائل الراحة في البيت، وأن ترقي بفكرها إلي مستواه، ليأتنس بها ولا يهرب إلي البارات والقهوات!». ولم تقف مي في معظم مقالاتها موقف الواعظ فحسب، بل أخذت تتحدث إلي الجنس اللطيف بأسلوب رقيق ومقنع ينفذ إلي القلب، وهو ما تجلي واضحًا في سلسلة مقالاتها بعنوان: «إلي كل فتاة مصرية» وجاء فيها: الحياة أمامك أيتها الفتاة الصغيرة، ولك أن تكوني ملكة أو عبدة.. عبدة بالكسل والاغتياب والتطفل والتبذل. ولك أن تكوني ملكة بالاجتهاد والترتيب وحفظ اللسان والصدق وطهارة القلب والفكر والعفاف والعمل المتواصل.. إلخ. ولا شك أن أفكار مي كانت سابقة لعصرها ونقيضًا للظروف العقيمة والتقاليد البالية التي كانت لا تري للمرأة مكانًا خارج البيت.. ولادة ومربية ومدبرة وظلاً للرجل فحسب. علي أن الحضارة الإسلامية واستجلاء معالمها وآثارها كانت المحور الثاني في اهتمامات مي الثقافية التي بثتها في سلسلة مقالاتها للأهرام، من زاوية إزالة جهل المرأة المعرفي بتراثها الحضاري، إذ كانت تنطلق في جولات دءوبة بين ربوع المعالم الأثرية، وقد وصفت جامع أحمد بن طولون بأن مساحته توازي ضعفي مساحة جامع عمر بالقدس، ثم تطوف بالقارئ بين أروقته العريضة السامقة، حتي تتوقف بالشرح التاريخي لدور المرأة في بناء ذلك الأثر الكبير، وكيف كانت قاعات القصر الملحق بالمسجد حافلة بالزينات الذهبية البارزة، وكذا صور المغنيات والجواري، ومنظر بالحجم الطبيعي لخمارويه جالسًا في عز بين الخدم والحشم. وعلي هذا النحو المعرفي طافت مي عبر مقالاتها بنحو 500 جامع، عرضت لتاريخها وطرز بنائها، وملحقاتها من المدارس و«البيمارستانات»، وهو كان اسم المستشفيات عهدئذ، ثم لا تنس وصف حضورها شخصيا حلقات الذكر في التكايا، ومشاهد الدراويش وتقاليدهم وموسيقاهم ورقصهم وتهاليلهم! ثم نخلص في النهاية إلي خمس رسائل شهيرة كانت مي قد بعثتها إلي الأديب محمد لطفي جمعة ردًا علي رسائله التي استطلع من خلالها موقفها ورؤاها من قضايا المرأة، وتصدت في حماس وقوة للعادات الشرقية الضارة المتخلفة، واستنكار الولع بزواج الشرقيين بالغربيات، وأخذت علي المرأة خضوعها لبعض مظاهر المدنية الغربية التي تتنافي مع وقار الشرق وأصالته. والمدهش أن مي لم تكن تستعمل المساحيق لكونها جميلة، وأنها كانت تواظب علي الصلاة في الكنيسة، وتمارس رياضة اليوجا وكتبت عنها وفائدتها النفسية بالهلال، وقد قرظتها علي غلاف المجلة وأشادت بنبوغها ومقالاتها التي تنم عن أدب الكاتبة وجمال تعبيرها وسعة اطلاعها وبعد خيالها، مصحوبة بنشر صورتها لأول مرة بناء علي طلب القراء واستجابة لرجاء رئيس التحرير إميل زيدان. كانت مي تؤمن بوجود مدنية مشتركة بين الشعوب، ولا تري غضاضة من اقتباس العرب ما يناسبهم من النظم الأوروبية والمنافع العلمية وأساليب العمران، وتري من الخير للعرب وواجبهم ألا يتخلفوا عن الانتفاع بأي نشاط أو تقدم أو أفكار مميزة أيا كانت جهتها! وعندما اضطربت الأوضاع السياسية والأمنية في لبنان، نشرت مقالاً بالهلال في أكتوبر 1922 تحدثت فيه عن هويتها: يقولون «أنت لست منا» لأنك من جنس آخر، فلماذا أكون دون سواي.. تلك التي لا وطن لها، ولدت في بلد، وأبي من بلد، وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلي بلد، فلأي هذه البلدان أنتمي، وعن أي هذه البلدان أدافع؟ ثم تتساءل في حسرة: «لماذا قدر علي أن أكون ابنة وطن تنقصه شروط الوطنية فأمسي تلك التي لا وطن لها؟ و.. حتي تختتم مقالها الشفيف الدال علي ما كانت تعانيه من الهواجس السياسية، وما كان يعتمل في عقلها ووجدانها من تساؤلات ممضة تقول: إنما أريد وطنًا لأموت من أجله، أظنها كانت تعني وطنها العربي الكبير! فولتير وعشرة آلاف رسالة كانت مي قد تعرفت إثر إقامتها بالقاهرة علي أستاذ الجيل لطفي السيد والشيخ الأديب مصطفي عبدالرازق، وبفضل رعايتهما وتوجيهاتهما توثقت درايتها باللغة العربية والإلمام بنحوها وصرفها واستبيان جمالياتها، فكان طريقها سالكًا للكتابة بالفصحي في العديد من الصحف والمجلات المصرية وبينها المقطم والزهور والهلال والأهرام، كما صدر لها عدة كتب اختارت لها عناوين مثيرة، بينها «ظلمات وأشعة» وكتب مقدمته عباس محمود العقاد، و«بين المد والجزر»، و«دمعة وابتسامة»! يروي المفكر العلماني سلامة موسي أن مي كانت تتحدث بثقة وعن علم وإدراك للنزعات والمذاهب الأدبية والفلسفية، وأنها تأثرت في إبداعاتها إلي حد كبير بأسلوب الشاعر الإنجليزي بايرون، وفي شهادتها الشخصية علي أطياف خيالها كقاصة تقول: «لا أستطيع القول إن هذا الخيال يفرض نفسه علي فرضًا، فقد يكون موضوع القصة ذكري قديمة تثيرها رؤية أو منظر أو حادثة، وقد يكون إيحاء مما أشعر به وأراه في حياتي الحاضرة، فتدفعني هذه الذكري ويستفزني هذا الإيحاء، إلي الكتابة، وأجدني مدفوعة إلي تأليف القصة، وقد استيقظت في الفجر، ولا ألبث حتي أري نفسي أمام مكتبي أؤلف القصة»! كان من عادة مي أن تضع تصميمًا أوليا لموضوع أو خاطرة، ثم تعود إليه في وقت لاحق والشروع في بناء القصة وصياغتها، وربما من هنا كانت تعتقد أنه ليست هناك قصص خيالية فيما كتبه الأدباء، بل كان واقعيا بنظرها كسائر ما تسمع به من حواديت الحياة. تقول: إن المؤلف القصصي لا يبدع من خياله ما ليس موجودًا، بل هو يستمد من الحياة كل ما يكتب، وإلا لما كان لقصته أي أثر إذا كان يتحدث إلي الناس بما يستحيل أن يقع في مجتمعهم، ومن هنا كان ما كتب عن القصص القيمة، إنما تصوير لبعض جوانب الحياة لا وهمًا من الأوهام التي لا نصيب لها من حقائق الحياة! ولكن بالرغم من هذا النهج الذي يتسم بالواقعية في كتابة القصة عند مي، إلا أنها كانت غاية في شطحاتها الرومانسية التي تستمدها من وحي الخيال والشعور العاطفي، ولعل في رسائلها لأصدقائها وأحبائها مجال واسع للتحري عن مشاعرها الحقيقية، والتأريخ لعلاقاتها العاطفية التي نالت نصيبها الوافر من الرصد والدراسة، وبينها علي سبيل المثال رسائلها التي جمعها ونشرها جميل الجسر في كتابي «رسائل مي» و«مي وجبران»، وغيرها من الرسائل التي جمعتها الباحثة أمل داعوق وكانت محور أطروحتها الأكاديمية التي ناقشتها لجنة ضمت الشيخ عبدالله العلايلي والدكتور الشيخ صبحي صالح، ثم نشرتها في كتاب «فن المراسلة عند مي زيادة»، وتظل هناك العديد من رسائل مي المحجوبة عن النشر لدي ورثتها! وعلي ما تبدو الشواهد أن مي تنتمي إلي طائفة من الأدباء الذين دأبوا علي التنفيس عن مكنوناتهم والبوح بشواغلهم وأسرارهم أو عواطفهم إلي حد الإدمان أحيانًا، وعلي سبيل المثال فقد خلف فولتير وراءه عشرة آلاف رسالة كان قد بعث بها إلي نحو سبعمائة شخصية، فكانت مجالاً رحبًا موثقًا وشاهدًا علي سيرة حياته ورؤاه ومخبوءاته الشخصية! الشاعر الموسيقار والحقيقة أنه يصعب حصر المقالات التي كتبتها مي في أربعة أرجاء الصحافة المصرية، كما أنه لا غني لأي باحث حول سيرتها وإبداعاتها من قراءة صديقها الأديب طاهر الطناحي سواء فيما كتبه عنها بمجلة الهلال أو كتابه القيم «أطياف من حياة مي»، وكتاب كامل الشناوي «الذين أحبوا مي»، وكتاب سلمي الحفار الكزبري «مي زيادة وأعلام عصرها»، ثم كتابها الثاني «مي زيادة ومأساة النبوغ»، و«مي أديبة الشرق والعروبة» للأستاذ محمد عبدالغني، والكتاب الصادر للدكتور محمد عبده البخاري عن دار الحرمق بدمشق و«باقات من حدائق مي» لفاروق سعد، و«مي وحياتها المضطربة» لجميل جبر، ثم كتب صادق الرافعي الثلاثة «أوراق الورد و«السحاب الأحمر» و«رسائل الأحزان»، وهي تشي ولا تبين عن حبه لمي لكونه عالما إسلاميا وتجنب غيرة أصدقائه الشعراء كالعقاد وطه حسين، وأخيرًا وليس الأخير كتاب الأديبة الصحفية نوال مصطفي «مي أسطورة الحب والنبوغ»، كما لا يفوتني التنويه بالمقالات المهمة التي كتبتها عن مي الأديبة غادة السمان في مجلة «الحوادث اللبنانية» ومقالات الأديبة الناقدة صافيناز كاظم في الهلال والمصور، وحظيت مي بموهبة الشعر الغنائي المنثور وقدمت منه عدة نماذج، وثورتها الاعتراضية علي محاولات نقل رفاتها من المقابر المارونية بمصر القديمة إلي لبنان، نافية عنها الجنسية اللبنانية، مؤكدة علي عروبتها ومصريتها، حيث عاشت معظم عمرها في مصر التي شهدت عطاءها وتألقها! وقد وجدت صعوبة في حصر أسماء أعلام الفكر والثقافة والأدب الذين تقاطروا علي صالون مي منذ افتتاحه لأول مرة عام 1913 واستمر زهاء ربع قرن، وكان ساحة للحوار والمؤانسة بين مختلف المذاهب، نذكر منهم أحمد لطفي السيد وطه حسين وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وشبلي شميل والمازني والتابعي وشيخ القضاة عبدالعزيز فهمي وشيخ الصحافة داود فرحات والأستاذ الأكبر الشيخ مصطفي عبدالرازق، وكانوا جميعهم يضمرون الحب والإعجاب بمي، ولا يفصحون إلا شعرًا أو نثرًا بشكل ضمني غالبًا وصريحًا أحيانًا! وكان مصطفي صادق الرافعي قد طارحها الغزل النبيل، ولم تصده أو تستنكره، وردت تتجاوب مع مشاعره النبيلة في قصيدة مطلعها: زمانك قبلي انتهي وهل يرجع المنتهي فحسبي أن اشتهي وحسبك أن تشتهي الشاعر الكبير إسماعيل صبري كان يكن عاطفة الأبوة نحو مي وقال فيها: روحي علي دور الحي حائمة تظامئ الطير إلي ماء إن لم أمتع بمي ناظري غداً أنكرت صبحك يا يوم الثلاثاء موعد صالون مي ويقول الشاعر الرومانسي الكبير إبراهيم ناجي: أحببت «مية» حبًا لا يعادله حب وأفنيت فيها الحب أجمعه أحب عمري الذي في قربه مي قد مر من دونها ما كنت أقصعه كانت مي تصف أحمد شوقي بالشاعر الموسيقار، إذ كان يجلس في صالونها بجسمه فقط، تاركًا العنان لفكره وخياله، ويومًا تجرأ وبثها إعجابه أمام رواد الصالون عندما ألحوا عليه أن يبوح بمشاعره نحوها وقال: أسائل خاطري عما ســباني أحسن الخلق أم حسن البيان رأيت تنافس الحسنين فيها كأنهمـــــا لـ «ميـــــــه» عاشــــــــــقان إذا نطقت صبا عقلي إليهــا وإذا بسمت إلي صبا جناني أم أن شــــــــــــبابها راث لشــــيبي وما أوهي زماني من كياني وما أدري أتبســـــم عن حنين إلي بقــــــلبي أم عــــــن حنـــــــان أما الشاعر الأديب خليل مطران فكان يغار علي مي، ويومًا رآها تودع إحدي صديقاتها بحرارة، لسفرها إلي حلوان، فاصطنع البكاء.. فسألته مي عن السبب؟ قال: أبكي سفر صديقتك!.. قالت: لكنها مسافرة إلي مكان قريب.. إلي حلوان! فقال مطران: مادام المكان قريبا فلم هذا الوداع الحار؟! علي أن مي كانت تكن تقديرًا وعاطفة جياشة للعالم المفكر يعقوب صروف، وكان قد بثها أبياتًا من الشعر يقول فيها: شوق تكامل أدني الوجود إلي أعلي فأعلي إلي أعلي أعاليه حتي تنامي وقلب المرء تلهبه نار من الحب يذكيها وتذكيه وكان صروف قد أسمع مي قصيدة أخري أعجبتها يقول فيها: هو الحب أكسير الحياة بلا مرا ولولاه ما كان الوجود كما تري ضحكت مي وقالت صدقت، لكني أعترض بشدة علي كلمة «بلا مرا» إذ أخشي علي القراء «ميمها»، وكانت واحدة من سخرياتها العذبة! كانت مي تخاطب صروف تارة بذي التاج والصولجان، وتارة أخري بـ «أستاذي توت المستبد» وكانت تعني توت عنخ آمون، إذ كان دائم الكتابة عن حضارة المصريين القدماء، وحين كتب يرثي الأديبة ملك ناصف، كتبت إليه تتنبأ بمصيرها: «أتمني أن يأتي بعد موتي من ينصفني، ويستخرج من كتاباتي الصغيرة المتواضعة، ما فيها من روح الإخلاص، والصدق، والحمية، والتحمس لكل شيء حسن وصالح وجميل»، ثم تواصل البوح قائلة: «إذا كانت لي صفة فهي تنحصر في هذا، وأنا سعيدة بها، لأنها كل شخصيتي، بل أتمني أن أموت في حياتك أنت، لتقوم لي بذلك العمل المبارك، فأكون خالدة بخلودك». في رسالة أخري تعترف لصروف بالقدوة والريادة كاتبًا وأديبًا «إذا كان هناك من يستحق الملام، فأنت هو، أنت الذي تنصلت من الأسجاع والحواشي والزوايد يوم كانت روح العصر، لو أردت أن أقلد أحدا لقلدتك، لكني أكره التقليد وأنا أحب أن أكون أنا. أنا في كتاباتي.. يا لطيف ما هذا الظلم والاستبداد؟ وهكذا أجيبك أنا»! وإذا كان العقاد الوحيد الذي ظهر في صورة مشتركة مع مي، ودأب علي الحفاوة بإبداعاتها الأدبية، فقد أكد كذلك في حديث صحفي أجراه معه كامل الشناوي أنه أحب مي وأحبته، بل ولديه بعض من رسائلها العاطفية إليه، إلا أن الذين كتبوا سيرتها الذاتية لا يستبعدون عنتريات العقاد وكبرياءه المعروف وراء هذا الادعاء، خاصة أنه لم يأت بدليل يؤكده، أو لأن مي استبعدته من المنافسة علي حبها مع اثنين غيره من الشعراء تباعًا. كان الأول هو الشاعر الشاب المتمرد والنابض بالألم ولي الدين يكن، ويروي أنه حدثت بينهما جفوة لم تدم غير بضعة أيام فقال يعاتبها: تمسين ناسية، وأمسي ذاكرا عجبًا أشاعرة تهاجر شاعرا إن الملائكة لا يكن هواجرا إن كنت لا أسعي لدارك زائرا فلكم سعي فكري لدارك زائرا وقد مات ولي الدين يكن قبل رحيل مي بثمانية عشر عامًا، وبكته بعينيها وقلبها وقلمها، وعلي ما يبدو أن فواجع مي لم تأت فرادي، فقد كانت فجيعتها في رحيل والدها ثم والدتها تباعًا وأصبحت بعدها وحيدة تفتقر إلي صلات القربي الحميمة، وكانت تقيم في مصر آنذاك، وسبقتها فجيعتها في ابن عمها الذي تنصل من حبه لها ومن وعده لها بالزواج في مقتبل شبابها، نهاية بفقدان الأمل.. وإلي الأبد.. في تتويج حنينها وأشواقها وحبها بالزواج من الشاعر جبران خليل خبران، وكان الشاعر الثاني الذي جذبها أو جذبت نفسها إلي مرمي شباكه العاطفية كما لو أنها مسحورة أو منومة، ولا شك أنها علاقة عاطفية مبهمة وغير مسبوقة، فهي لم تلتق به أبدًا إلا عبر الأشواق الهائمة وسبع وعشرين رسالة متبادلة، هي في القاهرة وهو في المهجر، تفصل بينهما البحار والمحيطات وعلي بعد آلاف الأميال، وهو الوحيد الذي باحت بحبها له في صراحة، وحاولت جهدها وبكل ما أوتيت من ذكاء وأدب ولباقة وثراء أن تغريه بالمجيء إلي القاهرة عبر حكاياتها عن النيل والأهرامات وسحر مصر الآسر، لكنه واجه عاطفتها الجياشة وعشقها المشبوب بلطف دون أن يعدها بشيء يغريها علي استمرار الأمل إلي ما لا نهاية، وكان هو لا هي الذي حسم النهاية، حين بعث لها برسالة زينها بلوحة رسمها بريشته لرجل وامرأة كل منهما يعطي ظهره للآخر.. قال فيها: حبيبتي مي.. خاطبت الناس جميعهم باسم الحب.. فقلت لهم: فلتكن هناك فسحات تفصلكم بعضكم عن بعض في حياتكم المشتركة، ولتدعوا رياح السماء تتراقص فيما بينكم، أجل فليحب أحدكم الآخر، لكن لا تقيدوا الحب الذي يؤلف بين قلبينا.. يا مي.. يا نسمة روحي وعطر حياتي ودنيا أشواقي! وهكذا قفلت مي راجعة بهمها وكل اهتمامها إلي مجتمعها الرجولي في صالون الثلاثاء، وقد تبددت آخر أحلامها العاطفية، وحتي فاتها قطار الزواج، وبعد أن كانت سعيدة بلقب «الآنسة»، بات اللقب يثير مخاوفها من التساؤلات المكتومة بعد أن أصبحت «عانس»، لكنها ظلت تتحصن بعفافها خشية الجموح والشطط العاطفي المدمر، ويكفيها فخرًا ورضا، فقد خرج من صالون الثلاثاء الكثير من قضايا الأدب والمجتمع، أو علي حد وصف العقاد: لو جمعت الأحاديث التي دارت في ندوة مي، لتألفت منها مكتبة مصرية تقابل مكتبة العقد الفريد والأغاني في الثقافتين الأندلسية والعباسية»! والقصة بعد ذلك باتت معروفة بكل تفاصيلها المأساوية، حين اضطربت أحوالها النفسية إثر تهديدها بالاغتيال علي يد الفاشيين، عندما هاجمت نهجهم وسلوكهم بعنف خلال زيارتها روما ولقائها وحوارها مع بابا الفاتيكان، بل وصبت لعناتها علي موسيليني، حيث نصحها دبلوماسي عربي بمغادرة روما فورًا، وأن تأخذ حذرها كذلك من دعاة الفاشية بمصر.. وهكذا صدقت نبوءة العقاد حين وصف رحلتها مسبقًا إلي إيطاليا بالشؤم، وهي كتبت تهاجم الزعماء الذين أشعلوا نار الحرب العالمية، وتمنت أن تحكم المرأة العالم حتي تنتهي المنازعات وتتوقف الحروب ودمارها. في القاهرة كان بانتظارها ابن عمها يوسف زيادة، وهو خوري أي قسيس وكان نائبًا في محكمة البداية بلبنان عام 1938، ونجح في استدراج مي بدعوي زيارة الأهل والاستجمام في لبنان، وهناك كان قد أعد لها مؤامرة دنيئة وأدخلها مستشفي العصفورية غصبًا، ثم فرض عليها وصايته واستولي علي ثروتها الضخمة التي ورثتها عن أبيها، وراح يبددها تباعًا بدعوي الصرف علي علاجها. أضربت مي عن الطعام احتجاجًا عدة شهور، فكانوا يطعمونها بالقوة ويمنعون عنها متعتها الوحيدة في التدخين ونقص وزنها إلي 28 كيلو جراما، وظلت هكذا علي حالها صابرة وصامدة دون أن تقرأ كتابًا أو تكتب، وانتظرت شهورًا وكلها ألم وحسرة حتي يهب أصدقاؤها الأدباء والكتاب إلي إنقاذها وتبرئتها من تهمة الجنون، ولكن دون جدوي، وحتي علم بمأساة مي الأديب أمين الريحاني، وجاء خصيصًا من أمريكا إلي لبنان، وخاض حملة إعلامية واسعة في الوطن العربي حتي نجح في إنقاذها وخروجها من المستشفي بعد الوفاء بتكلفة علاجها! خرجت مي من المستشفي وكأنها تشهد ولادتها من جديد، مؤكدة للجميع علي سلامة عقلها وصمودها بنجاح في وجه المحنة عبر محاضرة ضافية ألقتها بالجامعة الأمريكية في بيروت في حضور المئات الذين هتفوا بحياتها وانتصارها علي الظلم الذي لحق بها، قالت: أحرم علي أحد من أقارب والدي ومن أقارب والدتي أن يمثل أمام جثتي.. هؤلاء الذين مزقوا حياتي! بعدها ألقت أربع محاضرات، وصدر لها كتاب عن حياتها بعد خروجها من المستشفي بعنوان «في بيتي اللبناني» ثم رواية بالفرنسية بعنوان «المنقذون»، وكتاب مزيج بين الأدب والتاريخ بعنوان «علاقة فينيقية بمصر» ويتضمن مشاهداتها وجولاتها وأسفارها، ثم «مذكراتي» ويضم أشعارها وذكرياتها عن رواد ندوتها، وأخيرًا «ليالي العصفورية» وتحكي فيه عن محنة اتهامها بالجنون، ولاتزال معظم هذه المؤلفات بانتظار التحقيق والنشر! هكذا شقيت مي بنبوغها، وتآمر ابن عمها، وتجاهل خيرة أصدقائها، وكانت قد شقيت من قبل بتخلي ابن عمها عن وعد الزواج بها، ومن بعد كان شقاؤها برحيل حبها الأول الشاعر ولي الدين يكن، وحبها المبهم للشاعرجبران خليل جبران، فيما كانت إضافة البعض من الباحثين في سيرة حياتها شقاءها بفقد صديقتها الحميمة وهي جارتها الأوروبية الجميلة، وقصة تعلقها الغامضة بالفنان الإيطالي ايتوري روسي الذي سافرت للقائه بروما في يونيو 1925 . ويوم تأبينها بالقاهرة في حفل ضخم في ذكري الأربعين، وتقاطر عشرات الساسة والأدباء والمفكرين علي الخطابة والإشادة بمي وعطائها الزاخر، ووقف العقاد يرثيها في قصيدة حارة: أين مي في المحفل يا صاح عودتنا هاهنا فصل الخطاب قولها المنبر مرفوع الجنان مستجيب حين يدعو مستجاب أين مي.. أين مي؟ وقال طه حسين: مي تمثل في نفسي بداوة البادية وحضارة الحاضرة وثقافة العرب الأقدمين وثقافة المحدثين، وكل ما كان يتمني المثقف أن يصل إليه.. وقال الشيخ مصطفي عبدالرازق: «طلعت مي علي حياتنا الأدبية تحيط بها هالة من ذكائها المتأجج وشبابها النضير وأدبها الناشئ المتسامي إلي الكمال، وودعت مي هذه الحياة محاطة بهالة من آثار وذكريات هي أكبر من ذكاء ومن كل شباب»! الدكتورة عائشة عبدالرحمن «بنت الشاطئ» التي مهدت لها مي طريق الكتابة في الأهرام.. قالت: غيري يسكب الدمع علي حياة مي، وما حياتها إلا قصة استشهاد طويل»! رحم الله مي.. وأسفًا علي زمانها الجميل!
لم تقف مي في معظم مقالاتها موقف الواعظ فحسب، بل أخذت تتحدث إلي الجنس اللطيف بأسلوب رقيق ومقنع ينفذ إلي القلب، وهو ما تجلي واضحًا في سلسلة مقالاتها بعنوان: «إلي كل فتاة مصرية»
المدهش أن مي لم تكن تستعمل المساحيق لكونها جميلة، وأنها كانت تواظب علي الصلاة في الكنيسة، وتمارس رياضة اليوجا وكتبت عنها وفائدتها النفسية بالهلال، وقد قرظتها علي غلاف المجلة
كانت مي تصف أحمد شوقي بالشاعر الموسيقار، إذ كان يجلس في صالونها بجسمه فقط، تاركًا العنان لفكره وخياله، ويومًا تجرأ وبثها إعجابه أمام رواد الصالون عندما ألحوا عليه أن يبوح بمشاعره نحوها
هذا المحتوى مطبوع من موقع وجهات نظر
وجهات نظر © 2009 - جميع الحقوق محفوظة