محمـد عـودة ..الفقيــر الهندي



متعة ما بعدها متعة أن تجلس إلي المفكر والكاتب الكبير محمد عودة، وهي متعة لها مذاق مختلف عن المتع الحسية الزائلة، متعة الولوج إلي حصاده الزاخر بألوان الثقافة والفن والسياسة والتاريخ والذكريات العذبة عبر الحوار والمؤانسة والدعابة! ولشدة ما يدهش الوافد الجديد لتواضعه الجم وبساطته الآسرة، إلا أنه من الأفضل التعرف علي طرف من عاداته ومزاجه الخاص قبل التقائه. فقد تجده للوهلة الأولي متجهما أو مبادرا بالهجوم، وربما عازفا عن الحديث، و له في كل ذلك شأن يغنيه لا يدرك كنهه في حينه، لكننا ـ أصدقاءه وتلاميذه وحوارييه ـ ندركه، فقد يكون همّْ من هموم الوطن يؤرقه وقتئذ، فاصبر عليه وتمهل حتي يطرحه عليك وتشاركه في تفسيره والبحث له عن مخرج، وربما لأنه دلف إلي هذا المجلس بطريق الصدفة أو الخطأ، فاكتشف أن الجهل أو الجدل العقيم الأعلي صوتا، والأكثر افتراء علي الحقيقة وانتهاكا لثوابت الوطن والأمة، لكن حين تكون الأجواء مواتية والحضور متجانسا والحقيقة غاية الحوار والجد طابعه، عندئذ يتألق عودة علي سجيته ويبدع! عرفت عودة أوائل الخمسينيات في دار الأوبرا القديمة صباح يوم جمعة، إذ كانت وقتئذ تنظم حفلا أسبوعيا للطلبة والشباب الراغبين في سماع وتذوق الـموسيقي الكلاسيك التي يعزفها أوركسترا القاهرة السيمفوني بقيادة المايسترو عبدالحليم علي، وكانت تذكرة الحفل لا تزيد علي خمسة قروش، تتضاعف إلي 25 قرشا في حفل المساء (السواريه)! في الاستراحة خرجت أنا وشقيقتي الأديبة الراحلة عايدة الشريف إلي ردهة دار الأوبرا، وهناك رأيت عودة لأول مرة، وكان في عنفوان شبابه وكامل أناقته، واسترعي نظري بياض بشرته وجاكتته البليزر الكحلي وكرافتته «الببيون» والبيريه الأزرق فوق رأسه حتي خلته خواجة متمصرا. كان مستغرقا آنذاك في الحديث مع صديقي محمود ذهني وزميلي فيما بعد بمجلة روز اليوسف، والحوار بينهما كان سجالا حول أداء الأوركسترا وافتقاره إلي عازفين علي المستوي العالمي. انتهي الحفل في الثانية عشرة ظهرا، وأخذت أنا وشقيقتي طريقنا كالعادة إلي ندوة نـجيب محفوظ، وكانـت علي بعد خطـوات في صالـون ناءٍ يقـع علي يمـين الطـابق الثاني من كازينو أوبرا الذي شهد أمجاد الفنانة بديعة مصابني إبان الحرب العالمية الثانية، فلما هربت من الضرائب إلي مسقط رأسها لبنان وافتتحت لنفسها مزرعة للدجاج في شتورة، آلت ملكية الكازينو لتلميذتها الفنانة صفية حلمي التي رحبت باستضافة الندوة من باب الشهرة، و.. هناك وجدنا عودة قد سبقنا إليها، وأذكر أنه شارك يومها بالـمناقشة حول واقعة استوقفته في سجل النضال الوطني تعرض لها نجيب محفوظ في روايته الثلاثية. وبعدها تكررت لقاءات الجمعة التي جمعتنا به حتي أصبحنا نحلق تلقائيا في سربه! وبينما شدني الشاعر كامل الشناوي وغيره من الظرفاء وصعاليك ذلك الزمان إلي عوالمهم، ظلت عايدة مشدودة إلي عوالم عودة وأجواء الأدب والفن، لكن علاقتي مع عودة ظلت حميمة ومتصلة، إذ كان يتردد علي منزلنا للحوار مع والدي العالم الأزهري المستنير، وكلما اشتاق إلي طعام والدتي الدمياطي المسبك، بينما فرضت أحداث الثورة الجزائرية لقاءنا اليومي مع قيادتها وأعضاء حكومتها المؤقتة بالقاهرة. ومع توالي الأيام كان عودة يشدنا دوما إلي بيوت ومقاهي ومنتديات اللاجئين السياسيين العرب والأفارقة، وإلي المسارح والسينمات والندوات الثقافية والسياسية.. وهكذا علي مدي أربعين عاما تجسدت أمامي شخصيته وتبلورت معالمها وخياراتها واكتشفت كم هو مختلف نوعيا عن كل الظرفاء والصعاليك النبلاء الذين عرفتهم في ذلك الزمان سواء في ثقافته الموسوعية، ودأبه علي القراءة والتحصيل، ونهمه إلي الجديد من المعارف، أو إيمانه المتفائل بمصر التي لا تضيع أبدا رغم الكوارث والزلازل والانكسارات، ورضائه وقناعته بحظوته الشخصية المتواضعة من مغانم الحياة، إذ دائما يقول: يكفي أننا تعلمنا ما وسعنا، وخضنا التجارب والمحن التي عجمت عودنا، واستمتعنا بالحب والفنون والآداب، وسافرنا إلي بلاد الله وعرفنا شعوب العالم، وكتبنا ما نشاء ولم نفرط فيما نعتقد أنه الخير والصواب والجمال. وربما من هنا شبهه البعض من أصدقائه بالفقير الهندي في علاقته الصوفية بالحياة والناس واحتماله للمكاره، وزادت مصداقية هذا التشبيه إثر عودته من الهند، بعد سنوات من العمل مذيعا ومترجما في إذاعة دلهي التي تبث برامجها باللغة العربية.. وخلالها عشق الشعب الهندي وصادق زعاماته ومبدعيه واغترف من تراثه وتابع ولا يزال شئونه وشجونه، وله في ذلك كتابات وكتب مهمة! جهينة والخبر اليقين محمد عودة من مواليد عام 1920، ومسقط رأسه قرية «جهينة» مركز فاقوس محافظة الشرقية. ويشهد تاريخ العرب لجهينة أنها كانت أكثر قبائل الجزيرة العربية حكمة ومعرفة بالخبر اليقين. كان والده واحدا من تجار القطن الذين أفلسوا إبان احتدام الأزمة الاقتصادية العالمية في الثلاثينيات، لكنه لم يستسلم للكارثة، وقرر تعويض ما فاته من العلم. وفي حي الحسين حيث رحل مع أسرته إلي القاهرة، خرج مع ابنه محمد عودة في أول صباح إلي محل الحلوجي لتناول الإفطار، وكان وجبة من الفول المدمس. وحكي له أن صاحب المحل كان يعد صباح كل يوم طبقا من الفول المدمس المنزوع القشر، ويحمله بنفسه إلي سعد زغلول باشا. فلما اقتربا من مدرسة خليل أغا الابتدائية ليبدأ أول عهده بالدراسة في القاهرة، روي له والده أن منشئ المدرسة كان كبير الأغوات للوالدة باشا في عهد الخديو إسماعيل وورث عنه حب العلم ورعايته للمتعلمين النابغين، ومن عجب أن يتفوق عودة في دراسته الابتدائية، ويقع عليه الاختيار لإلقاء قصيدة ترحيب بزيارة الملك فؤاد للمدرسة، وسُر جلالته سرورا بالغا لإلقائه، وأهداه طاقم أدوات مكتب من الجلد الفاخر، وعاد به فرحا إلي المنزل، لكن والده لم يشاركه فرحته ولعن سلسفيل جدود الملك، إذ كان والده وفديا! ومن يومها تولد لديه شعور معاد غامض للملك والملكية! وبينما كان عودة يتوجه كل صباح إلي مدرسة خليل أغا الابتدائية ثم المدرسة السعيدية الثانوية فيما بعد، كان والده يتوجه للدراسة بالأزهر، وعندما يأتي المساء يجلسان متقابلين لاستذكار الدروس علي مكتب واحد، فكان من الطبيعي أن تنشأ بينهما ألفة الصداقة والمكاشفة، والده يناديه باسمه مسبوقا بكلمة الأستاذ، وكان هو ينادي والده «الشيخ عبد الفتاح»! منذ ذلك الزمان البعيد أدرك عودة الدرس: المال وكل عرض الدنيا وزينتها وحتي حياة الإنسان، عرضة للزوال لسبب أو لآخر، أما الدوام فلله وحده والبقاء للعلم الذي يستحيل انتزاعه من صاحبه، ومن هنا ظل العلم مصدر ثرائه، يزيد مع الأيام ولا ينقص، وحلقة اتصاله بالناس، ومحل قبوله من عدمه للعابرين في حياته، إذ بقدر إدراكهم المعرفي وزادهم من الثقافة، يظل العابر عابرا مع ألف سلامة أو مقيما علي الرحب والسعة، فلا وقت للجهالة ولا جدوي من صحبة الجهلاء. في كلية الحقوق اكتشف محمد عودة أن ما يدرسه من فروع القانون، لا علاقة له بأوضاع المجتمع خارج أسوار الجامعة، وبينما كانت الحركة الطلابية تموج آنذاك وتضطرم بكل التيارات والمذاهب والأيديولوجيات، كان البحث عن الذات وخلاص مصر وتحررها يستبد بأبناء جيله، حتي بلغ التناقض ذروته الهزلية ذات يوم، حينما أشيع أن طالبا في دفعته اسمه موريس دوس سوف ينال رتبة الباشوية، ولم تلبث الشائعة أن أصبحت خبرا منشورا في الصحف. والحكاية أن الملك فاروق الأول والأخير تبني مشروعا للتقرب إلي الشعب باسم «مشروع الحفاء» يستهدف توفير حذاء لكل مواطن، وكانت الغالبية العظمي من الشعب لا تملك ذلك الترف وتسير بأقدام حافية. وتشجيعا للمساهمة في المشروع، قرر جلالته الإنعام برتبة الباشوية لمن يتبرع بمبلغ خمسة آلاف جنيه فأكثر، وتبرع ذلك الطالب الثري بالمبلغ وأصبحت الرتبة من نصيبه! ثم يواصل محمد عودة ذكرياته عن مرحلة التكوين: انهمكت في قراءة الكتب التي كنت اقترضتها منه.. وأهملت كتب القانون.. وأصبحت أكثر حماسة في البحث عن «الذات». ولا ينكر عودة شأن أي مثقف عصري تأثره بالنظرة الماركسية في تحليلها العلمي لأوضاع المجتمع وما يعتمل في أحشائه من صراعات طبقية، وحدبها علي العدل والمساواة. وهو قد نهل من تراث الاشتراكية المصفاة عبر صديقه الدكتور مصطفي مشرفة الشقيق الأصغر لعالم الذرة النابغة الدكتور علي مشرفة الذي اعترف أينشتاين بإضافته المهمة لنظرية «النسبية». وكان الدكتور مصطفي مشرفة عندما صحبني عودة إليه بمنزله في المعادي قد أقعده مرض شلل الأطفال، ورغم ذلك ظل محاورا واسع الثقافة في شتي المعارف بلا تعصب وفي خفة ظل تثير من حوله الضحكات والحبور. وكان صاحب دار للنشر وله العديد من المؤلفات السياسية والأدبية القيمة معظمها باللغة الإنجليزية، أبرزها كتاب «مقدمة في تاريخ الشعب المصري» الذي صدر عن إحدي دور النشر الكبري في بريطانيا إبان عمله أستاذا للأدب الإنجليزي في إحدي جامعاتها، ورواية «قنطرة الذي كفر» وقد شاركه عودة في تأليفها بالعامية، وتؤرخ لما جري في مصر ولمصر منذ ثورة سنة 1919، إذ كان الدكتور مشرفة يري أنه لم يعتد علي تاريخ شعب مثلما حدث للمصريين، وأن كل المؤرخين مصريين وأجانب يكتبونه علي أنه تاريخ الملوك والحكام منذ الملك مينا مؤسس الأسرة الأولي حتي محمد علي، وأنه قد آن الأوان لأن يكتب تاريخ الشعب بكل طبقاته وفئاته.. الفلاحين والعمال والموظفين والمفكرين والمهندسين، كل الذين صنعوا التاريخ بالفعل ليزهو به الحكام ويتفاخروا. لقد تعلم محمد عودة من لينين وعبر الدكتور مصطفي مشرفة أن الاشتراكية ليست نظرية جامدة، بل متطورة بحسب ظروف كل شعب في العالم، وما يناسب روسيا من التطبيق الاشتراكي قد يحتاج إلي الملاءمة والتطويع حتي ينسجم مع أوضاع ومعتقدات غيرها من المجتمعات. والمشكلة في مصر أن التنظيمات الماركسية علي حد تقدير عودة كانت وليدة وهيمنة فئة من اليهود، بداية من جوزيف روزنتال وهو جواهرجي سكندي في أعقاب اندلاع ثورة سنة 1919، حتي هنري كورييل الأرستقراطي القاهري في الأربعينيات. ولذلك كانت هذه التنظيمات من الدرجة الثالثة، لأنها ظلت أسيرة للنصوص الجامدة والتجارب الغربية البعيدة عن الواقع المصري. وغير مؤهلة بالتالي لخلق صيغ مستقلة تستوعب قيم ومبادئ المجتمع المصري، بينما كان حال الحزب الشيوعي الإيطالي - علي سبيل المثال - مختلفا، فلم يجاف العامل الديني علي سبيل المثال.. وإلا لما كان للبابا أن يصلي بنفسه علي زعيم الحزب عند وفاته ويقيم قداسا لتأبينه! روز اليوسف وسياسة الباب المفتوح منذ مطلع أربعينيات القرن الماضي، ولا يزال محمد عودة سائحا سواحا علي قدميه في دروب القاهرة، يجوب شوارعها وحواريها ومعالمها التاريخية، ولا يمل التردد علي مقاهيها ومنتدياتها ومسارحها ومكتباتها، وهو شغوف بمخالطة طبقاتها الاجتماعية المختلفة، وهي سياحة متأنية وفاحصة، يرصد من خلالها مدي التغيير الذي يطرأ علي العمارة والأسواق والزحام والعلاقات الاجتماعية بين الناس وأفكارهم واهتماماتهم وإلي أي مدي تفاؤلهم وإحباطهم ورضاهم أو سخطهم، لكأنه عمر بن الخطاب الذي كان يجوس الديار ويتقصي حال الرعية وأحوالها، وله في ذلك قول مأثور «لو تعثرت بغلة في العراق لسئلت.. لماذا لم أسو لها الطريق؟»! وبينما كانت جولات عمر الميدانية مصدر استتباب العدل والأمن والنظام وقبول المسلمين وأهل الكتاب ورضاهم، تظل جولات عودة الدورية مصدر إدراكه المعرفي للواقع مجردا من التهوين أو التهويل، ومرآة صادقة لكتاباته الصحفية وحواراته مع أصدقائه وتلاميذه، ومن هنا تميز بواقعيته وتجدده عن معظم أقرانه من الكتاب والمفكرين الذين يصدرون أحكامهم عبر النظريات والفلسفات أو عبر ما يصل إليهم عن هذا الواقع في الكتب والصحف ووسائل الإعلام والكلام المرسل فحسب! فإذا أضفنا دأبه علي البحث والقراءة المنهجية لعصور التاريخ وتجارب الأمم والشعوب، نستطيع عن معايشة واقتناع أن ننسب إلي عودة ميزة سياسية وفكرية أخري فريدة، تكمن في قدراته المدهشة علي التنبؤ بمستقبليات الأحداث وهي في طور الاختمار أو الاشتباك، وفقا لميكانيزم علمي يعتمد علي تحليل المعطيات وتفاعلها الديناميكي مع الظروف والأجواء وتباين المواقف والاقتناعات إيجابا أم سلبا! في القاهرة تفتحت مخبوءات شخصية محمد عودة وتحددت ملامحها. فهو قد عاش فيها من قبل سنوات دراسته الابتدائية والثانوية والجامعية. لكنه بعد أن خاض تجربة العمل في المحاماة في مسقط رأسه بمحافظة الشرقية وقرر فراقها والاستقرار في القاهرة، كان عليه خوض غمار تجربة البحث عن عمل جديد، لكنه وقع في حيرة اختيار المهنة التي تناسبه. ولم يكن لديه من الصلات والمعارف في أوساط أصحاب النفوذ حتي يطلب منهم العون والمساعدة، فاضطر للعمل في مكتب محام كبير إلي حين عودة الدكتور مصطفي مشرفة من الخارج لاستكمال مشروع إعادة كتابة تاريخ مصر. حتي اكتشف أن مؤهلاته واهتماماته ترنو إلي الكتابة في الصحف والمجلات، وكان حال الصحافة عهدئذ تفضي في الغالب إلي الإغلاق وتشريد العاملين فيها، إما لتعثر أصحابها ماليا، وإما لقرارات أو أحكام المصادرة تباعا لأسباب سياسية أو إلغاء رخصة الإصدار إلي غير رجعة. ولم تكن القاهرة قد عرفت بعد المؤسسات الصحفية الكبيرة التي تملك رصيدا ماليا ضخما، ومطابع خاصة بها، ولديها كتاب منتظمون، وطاقم من المحررين والفنيين، اللهم سوي دار الأهرام ودار أخبار اليوم ودارالهلال. حتي روز اليوسف ذات التاريخ الوطني والإبداعي العريق كانت مستكنة آنذاك في مبني صغير متهالك، وكانت صاحبتها السيدة فاطمة روز اليوسف تدير شئونها كست بيت مدبرة، ومعظم كتاب المجلة وهم من الأسماء اللامعة يتكسبون معاشهم من مصادر أخري، بينما أكثر المحررين من الهواة والبراعم الصحفية الواعدة ويتقاضون مقابل ما ينشر لهم مكافآت متواضعة أو لمجرد الشهرة! في البداية جرب محمد عودة حظه في عدد من الصحف والمجلات التي يصدرها هواة ومغامرون من عشاق الصحافة وذوي الميول الفكرية والسياسية والإبداعية التي تتبني الأفكار الحرة الشجاعة وكل جديد وشاب يمثل طفرة في الخلق والابتكار، وبينها مجلة صغيرة كانت ذائعة الصيت آنذاك وهي «مسامرات الجيب» وأفرغ فيها مخزونه من المعارف والرؤي، وانكب علي ترجمة الكتب الإنجليزية والفرنسية الحديثة، وانتقاءاته من المواد السياسية والأدبية والفنية المنشورة في الصحف الأجنبية. فلما أدرك «مسامرات الجيب» الإغلاق انتقل إلي صحيفة «الجمهور المصري» الأسبوعية، وكان رئيس التحرير أبو الخير نجيب صحفيا مقاتلا، ووجد عودة نفسه وسط جيل من الصحفيين الوطنيين والمشاغبين والمغامرين، نجحوا أيما نجاح في بلورة نهج وأسلوب غير مسبوق في النقد والتحريض وإثارة المعارك السياسية والاجتماعية والثقافية، فيما تميزت الصحيفة عن غيرها في الأخبار الكاشفة لما وراء الستار من أسرار، إضافة إلي التحقيقات والخبطات الصحفية المثيرة. وكان عودة قد صنع لنفسه في مشواره القصير اسما صحفيا معروفا، ومن ثم وجد طريقه سالكا إلي نيودلهي، وعمل مذيعا ومترجما في الإذاعة الهندية التي كانت تبث برامجها بالعربية، لكنه اضطر للعودة إلي مصر بعد عامين إثر اندلاع ثورة 23 من يوليو، ووجد نفسه صحفيا في صحيفة «الشعب» تحت رئاسة عضو مجلس الثورة الصاغ «صلاح سالم»، انتقل بعدها إلي دار الهلال. وفي مجلة المصور والاثنين والدنيا، تحول من كاتب ميداني يستقي مادته عبر المعايشة المباشرة للواقع. ورغم أنه مارس عمله في جدية وحماسة، وبخاصة أنه كان يشعر دائما بارتباطه الوثيق بالناس ونبضهم ومشكلاتهم وطموحاتهم، إلا أنه ضاق ذرعا بالنظام الـحديدي الـذي يفرضه أصحاب دار الهلال من آل زيدان لضبط إيقاع العمل و.. هذا جيد، إنما لأنه اكتشف أن هذا الانضـباط يسـري أيضـا علي عـلاقات العمل، كما أن النقد والمعارضة لهما سقف منخفض ومحافظ لا يجب تجاوزه. ولا يتذكر عودة لماذا وكيف ساقته قدماه تلقائيا من دار الهلال إلي مبني روز اليوسف المجاورة بشارع عبد الحميد سعيد، وصعد إلي الدور الأول يفتش عن أصدقائه من المحررين.. وفجأة خرج الفنان عبد الغني من غرفته، وكان سكرتيرا للتحرير آنذاك، ليجد عودة أمامه وجها لوجه، وصافحه بحرارة ورحب به، وكان قد قرأ له وعرفه عن بعد، وسحبه من يده إلي غرفته وطلب له كوبا من الشاي، ثم وضع أمامه رزمة من ورق «الدشت» وقال: اكتب لنا شيئا يا أستاذ عودة تود أن تراه علي صفحات روز اليوسف. و.. تركه وغادر إلي صالة التحرير.. ولم تمض أيام حتي بادرت فاطمة اليوسف إلي تعيينه وأصبح من كتاب المجلة اللامعين! «أرملة جمال عبد الناصر» إذا كان هناك مرجعية مؤتمنة علي فكر جمال عبد الناصر وتراثه، فلا شك في أنه محمد عودة. سمعته يوما يقول: إن كل الثورات الكبري التي عرفها التاريخ الإنساني، لم تكن مبرأة من الأخطاء ولا الخطايا، وكان ذلك ما آلت إليه ثورة يوليو، حين قدر لها الصدام مع الطبقة الاجتماعية الحاكمة من الرأسماليين والإقطاعيين وعملاء الاستعمار ومخلفات العهد البائد من الزعامات والأحزاب، فكانت القوانين والإجراءات الاستثنائية ضرورة حتمية لتأمين الثورة، حتي تتفرغ لمهام التغيير وبناء المجتمع الجديد. وهو قد نذر حياته وفكره وقلمه انحيازا لنهج وسياسات وتفسير مواقف عبد الناصر، وإشاعة الوعي بمصداقية مشروعه الوطني والقومي، ورد الصاع صاعين لكل من يتطاول علي الناصرية بالافتراء والتشويه، إلا أن عودة لا يفسد للود قضية مع الذين يختلفون مع الناصرية بشرط الالتزام بالموضوعية، وأن يكون البحث عن الحقيقة غاية الحوار وليس مضيعة للجهد والوقت في الجدل العقيم والسفسطة الفارغة. وأعتقد أن عودة الآن بات علي اقتناع بضرورة مبادرة الناصريين قبل غيرهم إلي مراجعة التجربة الناصرية والبناء علي إيجابياتها حتي تواكب المستجدات والمتغيرات الوطنية والقومية والعالمية منذ عام 1970، مما يستدعي إعادة صياغة المشروع الناصري وتقديمه للأجيال الجديدة في زمان الردة والتبعية والقطرية وتنامي ظاهرة العولمة! وهكذا بقدر زاد المحاور من الثقافة وموقفه الملتزم بقضايا الوطن وثوابت الأمة بقدر سعي عودة إليه والحفاوة به وصداقته، وبهذا المعيار - العلم والموقف والمبادئ - عرف عودة من البشر عدد شعر رأسه، كما فارق منهم عدد ما تساقط منه علي مر السنين. فهو علي سبيل المثال طالما أشاد بموهبة ونبوغ ووطنية صديقه الأديب الكبير توفيق الحكيم قولا وكتابة، وكان جليسه ومحاوره في لقاء الصباح بمقهي «جروبي» بميدان سليمان باشا لأكثر من ثلاثين عاما. ولم لا، وكلاهما ينشد في جمال عبد الناصر الأمل في البعث والتغيير، وهو كان البطل التاريخي الموعود الذي جسدته نبوءة الحكيم في روايته الرائعة «عودة الروح» التي كتبها إبان عهود الاستعمار والملكية والإقطاع، وربما من هنا نال الحكيم في عهد جمال عبد الناصر من الحظوة والتكريم ما لم ينله غيره من الأدباء والفنانين. فلما رحل عبد الناصر، وراح السادات يقتفي أثره بأستيكة علي حد سخرية رجل الشارع المصري والعربي، وسار الحكيم في زفة دعاة الردة وألف كتابه «عودة الوعي». عندئذ تحشد عودة بكل آلياته الفكرية وقدراته الفذة علي الحوار، وانبري للحكيم يصب جام غضبه وفجيعته في صديقه، واستهل كتابه «الوعي المفقود» بقصة الموسيقي الشاب الذي قال للمايسترو الكبير توسكانيني: «بالنسبة لتوسكانيني الفنان أحني رأسي، أما بالنسبة لتوسكانيني الإنسان.. فقد أخلع نعلي وأنهال به عليه»، ثم راح يجرد الحكيم من أي مصداقية سياسية، فقط لأنه تنكر فجأة للمبادئ التي استكنت في ضميره وإبداعاته وحققت شهرته وانتشاره، ووصفه قائلا: «لم يكن هناك ابتذال للكاتب والكتابة أكثر رخصا من هذا» لكن «كان توفيق الحكيم علي حقيقته مجردا من كل المسوح». وقال: «ليس هذا الكتاب ردا علي توفيق الحكيم، ولكنه دفاع عن الشرف السياسي والثقافي لمصر». وشرع يفند كل ما ذهب إليه الحكيم من برجه العاجي متنقلا من فكرة التعادلية إلي انتشائه بلقب «عدو المرأة» إلي انتسابه لدار أخبار اليوم ثم الأهرام التي اختارها منبرا للإشادة بثورة يوليو وزعيمها، بنفس درجة تبنيه المفاجئ للهجوم الكاسح في كتابه علي التجربة الناصرية»! والحقيقة أنني كنت شاهدا عن قرب علي تلك المعركة السياسية والأدبية المدوية. فكم رأيت عودة وسط مريدي جلسات الحكيم الخاصة التي يعقدها كل يوم جمعة، وهو رجل ودود يجعلك تحبه من أول لقاء. وعلي عهدنا به ظل يدافع عن الناصرية وعن الاشتراكية والقومية بضراوة، ولذلك عندما نمي إلي علم عودة أن الحكيم وضع كتابا تحت الطبع يندد فيه بعبد الناصر وما كان يؤمن به أو دعا إليه.. لم يصدق، واعتقد أنها مزحة أو مجرد وشاية، فكيف يصدق الخبر وهو الذي تبرع منذ أيام بخمسين جنيها رغم بخله الشديد لتخليد ذكري عبد الناصر والإسهام في صنع تمثال له. كذلك عندما عرف الحكيم بأن عودة أعد كتابه «الوعي المفقود» ردّا علي ردته، عرض عليه أن ينشره علي حسابه لعله يرضيه ويستبقي صداقته ويكفر عن خطئه، لكن عودة رفض. وأذكر أن عودة تأثر كثيرا وظل حزينا فترة طويلة لرحيل الحكيم وقال: كنت أحبه! وهكذا بنفس المعيار وعلي نفس المنوال هاجم عودة أو خاصم بدرجات متفاوتة بعض أصدقائه ممن كانوا محسوبين علي المرحلة الناصرية، ثم تورطوا في مرحلة الردة الساداتية وباتوا من دعاة الانفتاح السداح مداح والتطبيع مع إسرائيل أو التبعية لأمريكا، سواء عن قصد أو سذاجة أو خطإ في التحليل أو رهان علي المجهول وقبض الربح! مواجهة مع بو مدين ولا يكتمل حديثنا عن محمد عودة قبل أن نتوقف عند محطات مهمة في سيرة حياته. ففي أوج انشغال ثورة يوليو بالقضايا القومية ودعمها لحركات التحرر في العالم الثالث، كان هو أيضا في قمة تألقه وعطائه سواء بالكتابة عن هذا الدور أو بمعايشة أحداثها وتوثيق الصلة بأبطالها، فكان يصحبنا إلي المقاهي والمنتديات والصالونات وكافتيريات الفنادق الكبري والمتواضعة التي تجتذب القيادات واللاجئين السياسيين العرب في القاهرة، أو زيارة بيوت الديبلوماسيين والزعامات الشعبية لحركات التحرر وعدم الانحياز ممن تبوءوا فيما بعد سدة الحكم والسلطة في أوطانهم، بينما ظل عودة المرجعية التي يلجأ إليها المراسلون الأجانب المتخصصون في الشئون العربية! ولأول مرة أسمع عبر عودة الكثير من التفاصيل المهمة والأسرار الخاصة أوج اشتعال ثورة الجزائر، وكيف أن الثورة سفكت من دماء أبنائها ما يكاد يعادل ضحاياهم من الجيش الفرنسي المحتل. وقال لأن المعركة مصيرية لا تحتمل الخطأ أو التردد، لذلك كان نصيب المنحرفين في صفوفها البتر، وكان عودة دائما يلفت نظر زملائه من الكتاب والصحفيين إلي التخلي عن منطق الإعجاب والإشادة والانحياز بجناح ما أو زعيم سياسي بعينه في الثورة الجزائرية، وقال إن هذا الأسلوب يثير حفيظة غيرهم من الأجنحة والزعامات ويعتقدون أن الصحافة المصرية تعبر عن موقف جمال عبد الناصر. وقد تسببت تلك الانتقائية المعيبة في مشكلات حادة بين ثوار الجزائر بل وفي كوارث شتي إلي حد الاحتكام للسلاح! أذكر في عام 1960 أن عودة كان مدعوّا لمؤتمر في الجزائر، فلما التقي الرئيس هواري بومدين رجال الإعلام العرب، إذا به يبادره علي مرأي ومسمع من الصحفيين وأجهزة الإعلام بالسؤال عن مصير صديقه أحمد بن بيلا، وكان آنذاك رهن الاعتقال. وتكهرب الجو، حتي وجد من يهمس في أذنه ويدعوه إلي خارج الاجتماع، ثم اختفي من المؤتمر في اليوم الثاني، وفوجئ بتقرير أمني حول ما جري يسبق عودته إلي القاهرة، فيما نفي لنا الأخضر الإبراهيمي سفير الجزائر آنذاك أن تكون لحكومته يد فيما حدث، وعزي الأمر إلي استشعار السفارة المصرية بالجزائر الحرج، بزعم أن عودة تجاوز أو أخطأ بدعوي تدخله في شئون الجزائر الداخلية، رغم أنه كصحفي صاحب حق في أن يسأل ما يشاء، كما أن من واجب الصداقة والشهامة أن يطمئن علي مصير صديقه بن بيلا! وعلاقة عودة بالسياسيين والنخب الثقافية الأفريقية حقبتي الخمسينيات والستينيات، لم تكن مقصورة علي حرصه علي أن يظل سباقا لمعرفة شواغل حركات التحرر الإفريقية وتطوراتها ومتناقضاتها فحسب، بل وكان مشاركا في المؤتمرات والندوات التي تعقدها الجمعية الأفريقية حول شئون وشجون أفريقيا، وقد امتد هذا الدور إلي زوجات وعائـلات المناضلين الأفارقة لشد أزرهم والاطمئنان علي أحوالهم، أذكر منهم زوجة الزعيم الأفريقي «فيلكس مومي» وأولاد المناضل الراحل «باتريس لومومبا» وأولاد «نكروما». من سخريات الشاعر كامل الشناوي عن عودة قوله: «عودة يذهب إلي الجيزة عن طريق طنطا»، وكان يعني القلق الذي يساور عودة دائما حول قضايا وطنه وأمته إلي أي مدي وجدوي شفافية المعالجة الوطنية والقومية لهذه القضايا، مما يجعله دائما في حركة تنقل ما بين مصر وغيرها من الدول العربية والأجنبية بحثا عن الحقيقة والخلاص! وفي الهند رحبت صحيفة «شنكر» ذائعة الصيت بزيارة عودة لدلهي عام 1965 وقالت: «أخيرا يصلنا عبق مصر وقبس من روحها وشرارة من عقلها الأستاذ الدكتور محمد عودة صديق الشعب الهندي ». ولا نعتقد أن هناك ما يضارع عودة بين كتابنا في فهمه للشخصية الهندية وإدراكا لتراثها الحضاري، ومتابعة لقضاياها، وعندما سألناه كيف عاش بعيدا عن معشوقته مصر فترة عمله مذيعا في الإذاعة الهندية.. وقال: اجتزت هذه الفترة كمدمن الدخان عندما يقلع عنه.. كنت «خرمان مصر» ولم أكن أستطيع البقاء في الهند لولا أنني أحببتها لأنها كمصر وارثة لحضارات عريقة وظروفهما السياسية والاجتماعية متشابهة، ويجمع بين الثورة الهندية وثورة سنة 1919 المصرية وشائج تاريخية ونضالية مشتركة! في كتابه «رحلة في قلب نهرو» عقد عودة مقارنة بين الثورة الصينية والثورة الهندية، وأرجع نجاح الأولي إلي التحام الوطنية بالماركسية، لأن الكونفوشيوسية تعاليم أخلاقية أو دين بغير إله، بينما تنكبت الثانية الطريق عندما ارتطمت الوطنية الهندية بالماركسية، لأن البوذية أو البراهمية دين بإله، ومن ثم كان الصدام بينها والفلسفة الماركسية، ولذلك لم يتم الالتحام. وبينما نجحت الصين - علي حد تقديره - في القضاء علي الأفيون والذباب والدعارة والمجاعات.. ووفرت الطعام لكل فم، لم تتمكن الهند حتي الآن في ظل ديمقراطية «ويستمنستر» الليبرالية من القضاء علي الفقر أو المرض! والحقيقة أن عودة ظل ولايزال مبهورا شديد الاعجاب بالتجربة الهندية، وبثالوث زعامتها (غاندي - نهرو - أنديرا غاندي) لكأنه واحد من كوادر أو كتاب حزب المؤتمر حتي إن الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل وشي من باب الدعابة بعشقه الصوفي لأنديرا غاندي. وأذكر ذات يوم أنني وجدت الأستاذ محمد عودة حزينا مهموما، ولم أثقل عليه بالسؤال حتي لحق بمجلسنا عدد من الأصدقاء، وعندئذ بادر من تلقاء نفسه إلي الحديث عن واقعة ظلت تؤرقه منذ سماعه بها وقراءته عنها، وكانت حول كتاب صدر أخيرا بالإنجليزية بعنوان «حياة أنديرا غاندي»، وسرعان ما تلقفته مجلة «تايمز أند أوف إنديا» الهندية بنشر بعض من فصوله، وقامت الدنيا ولم تقعد، حيث خرجت جموع الهنود في مظاهرات احتجاج عارمة، وقاموا بإحراق جميع نسخ المجلة وطالبوا الحكومة بمنع دخول الكتاب وتداوله في الهند، إذ كان يجسد أسلوب المخابرات الأمريكية في «اغتيال شخصية» وسمعة خصومها، حتي لا يتحولوا إلي رموز وقدوة في البذل والعطاء والنضال من أجل تحرر الأوطان لدي الأجيال الجديدة. وكانت التهمة التي حاولت الكاتبة الأمريكية إلصاقها بأنديرا غاندي في كتابها أنها زير رجال علي غرار التهمة المشبوهة التي لحقت بنهرو باعتباره زير نساء! وقال عودة: إنهم يريدون تصوير عائلة نهرو علي أنها منحلة، وهذه الحملة تأتي في الوقت الذي يحكم فيه الهند اليمين الهندوسي الأصولي المتحالف مع اليمين الرأسمالي الذي يسير بالهند في طريق التبعية للغرب، المعادي لاشتراكية نهرو. أنديرا كان شعارها «أريد القضاء علي الفقر وهم يريدون القضاء علي، وإذا مت فسوف أموت واقفة». وتشويه عائلة نهرو يأتي بعد فضيحة مدوية في الهند وقعت منـذ عـدة أشهـر، فقد حـدث أن سبعة من الصحفيين العاملين في التليفزيون الهندي تنكروا في هيئة وسطاء لعقد صفقات كبيرة مع رجال من قادة الحزب وقادة الجيش وصوروهم بكاميرات خفيـة وسجلوا أصواتهم وهم يتفقون معهم علي صفقات وعمولات ورشاوي كبيرة وأذاعوا ذلك كله علي مساحة في الإنترنت، فحدث زلزال كبير في الهند بسبب هذه الفضيحة المدوية واستقال وزير الدفاع وفضح رئيس الحزب الحاكم الهندوسي الذي كان شعاره طهارة اليد، وشاهده الناس وهو يقدم الرشاوي ويعرض العمولات فكانـت ضـربة قاصمـة مـن نوعها طيرت طهارة الأصوليين الهنـدوس وهزت مركزهم ليس في الهند فقـط ولكـن أيضـا في العالم كله. فهل هي مجرد مصادفة أن يصدر اليوم كتاب يحتوي علي فضائح مخجلة بحق عائلة نهرو، أم أن الهدف من هذا الكتاب جاء بقصد وتدبير للتغطية علي فضيحة الحزب الحاكم المدوية؟ ولماذا يكرر الكتاب نفس الاتهامات المنحطة التي جاءت في كتاب «ماتاي» سكرتير نهرو الذي اشتروه فأصدر كتابا مشبوها عنوانه «يومياتي مع نهرو» وكانت يوميات منحطة لتلطيخ شخصيته قال فيها ماتاي إن نهـرو كانـت له رفيقـة وأنه أنجب منها ابنة غير شرعية، بل وكان علي علاقة غير شرعية بأنديرا استمرت 12 عاما. وقال إنه - أي السكرتير - كان علي علاقة بكاملا زوجة نهرو وأشياء من هذا القبيل. وعندما ذهب لنشر كتابه رفض الناشر نشر هذا الفصل، فلماذا تنشر الكاتبة الأمريكية اليوم نفس الكلام في كتابها والذي لم يتمكن ماتاي من نشره من قبل؟ وما معني أن تروج شائعات من نوع أن أنديرا كانت علي علاقة غير شرعية بمدرب اليوجا الخاص بها وبمدرس في جامعة طاغور كان يعلمها الفرنسية، وأن «فيروز غاندي» زوجها خانها مع سيدات كثيرات؟ المعركة في جوهرها إذن معركة سياسية اجتماعية هدفها تلطيخ سمعة نهرو وعائلته وخلفائه لأنهم رموز وطنية مضيئة تمثل قوي متناقضة مع التحالف الهندوسي الرأسمالي الغربي الحاكم الآن. النوم في الفيشاوي الحقيقة أن السفر مع محمد عودة ينطوي علي متعة إنسانية وثقافية، فهو ظريف مطبوع وساخر لماح، ومحاور بارع، وسرعان ما تنفتح مغاليق ذاكرته التاريخية وهو يروي علي مسامعنا سيلا من حكاياته المدهشة عبر العصور، أو يفسر لنا واقعة ملتبسة في تاريخنا المعاصر. ثم هو دءوب علي زيارة المتاحف والآثار والمكتبات. ومعه في لندن أخذني إلي المتحف البريطاني لمشاهدة قسم المصريات ثلاثة أيام تباعا، ويومين في مكتبة وزارة الخارجية البريطانية للاطلاع علي وثائقها عن فترة الاستعمار البريطاني لمصر، وفي المساء يتراوح غرامه بين مشاهدة المسرحيات الغنائية أو حفلات الموسيقي الكلاسيك! ومع عودة في مصر أو الخارج لا تسأله كيف أوتي من الجاذبية حتي يدبر كل هذه الحفلات والدعوات والمآدب. وكنت معه أنا والصديق الصحفي جلال عارف في موسكو التي قصدناها للاطمئنان علي الشاعر الفنان عبد الرحمن الخميسي بعد أن ألم به المرض، وفوجئنا بأن بيوت علية القوم من السياسيين والمبدعين واللامعين السوفييت علي أهبة الاستعداد لاستضافة عودة، أذكر من بينهم بريماكوف وبلاييف وأجراكرشيف وتماييف والشاعر حمزة توف والمستعربة لينا. وبينما كنا متجاورين في مسرح البولشوي وراقصات الباليه يتهادين كالنسائم في رقة وسمو، مال عودة برأسه وهمس في أذني: بقي موش حرام ملائكة البولشوي يدخلون النار.. وصاحبتنا إياها تدخل الجنة؟! وكان يعني امرأة قبيحة نعرفها تدعي التقوي والصلاح! ولعودة قول مأثور: «أناضل مع الكادحين وأدافع عن المظلومين، وأستمتع بحياة الرغد ما وسعني مع الموسرين وأولاد الحظ والحظوة». ولعل الطعام الجيد أفضل اللذائذ التي يهفو إليها، وهو يتناول طعامه بتؤدة كما لو أنه يستحلبه ويجتر مذاقه، ولا يثني علي إفطاره الخفيف سوي وجبة واحدة في الغداء أوالعشاء مهما كان الطعام فاخرا. وكلما كان مدعوّا علي طعام، غالبا ما يضع المضيف يده علي قلبه خشية اصطحابه عددا من المعارف أو الغرباء بما يفوق كمية الطعام، وقد نتكتم احتجاجنا علي هذا التصرف خاصة إن كانوا من ثقلاء الظل، ثم نكتشف أن بصلة المحب خروف والبساط أحمدي وأن شخصيته الآسرة تؤدي دورها بنجاح في عقد الصلات مع هؤلاء الغرباء، لكأننا نعرفهم منذ زمن بعيد! ومنذ الخمسينيات وعودة يسكن شقة صغيرة لا تتعدي غرفتين في عمارة الأوقاف بالدقي، حيث تربطه علاقات إنسانية رائعة بالناس الذين هم فوق السطح، وهم سلالة البوابين والخدم الذين سبق وعملوا فترات من الزمن في حراسة العمارة وخدمة سكانها، ثم اتخذوا من السطح تباعا سكنا عشوائيا ومجتمعا خاصّا مختلفا عن الناس الذين هم فوق والناس الذين هم تحت. ولا يزال عودة يحلم بشقة أخري أوسع رغم أنه لم ينجب أولادا ولا بنات، لكن لأن أصدقاءه وتلاميذه وحوارييه كثر، وهو يحب أن يراهم جميعا حوله، يسهر معهم ويحاورهم ويأتنس بهم. وكم شهدنا في سكنه الراهن أسعد أوقات حياتنا ولا نزال، وهذه المتعة الفكرية والإنسانية التي يضفيها علي مجالسه شبه اليومية، ودائما نجد حاجتنا من الطعام والشراب رغم موارده المتواضعة، ولأنه يكره الرتابة والملالة والسأم، ويهفو إلي التجديد والتغيير، لذلك هو دائما في حالة استبدال وإحلال الجديد مكان القديم من أثاث ومفروشات شقته، وكم كانت سعادته عندما ألححنا عليه باقتناء «الدش»، ووجد ضالته في متابعة أخبار العالم. ومن عجب أن تنتبه الإذاعة والتليفزيون أخيرا لعودة وتدعوه إلي الشاشة والميكروفون بعد أن اكتشفت فيه محدثا بارعا ومحاورا متمكنا لا تنقصه السخرية وخفة الظل وإتقان اللغات الحية كأحد أبنائها. وبينما كان من الطبيعي أن ينال أجرا سخيا علي أحاديثه وحواراته تلك، فوجئ بمن يطلب منه يوما مبلغا من المال بدعوي أن طاقم التليفزيون «عاوز يشرب شاي» واضطر إلي أن يدفع لهم المبلغ وهو في شدة الخجل لهم، رغم ما عاناه من قلب أثاث شقته رأسا علي عقب، وكم الوقت الضائع في التصوير والتسجيل! واستجابة لإلحاحنا وزحمة المواصلات اقتني عودة سيارة نصر 128 عام 1968، وراح أحد أقاربه يدربه علي قيادتها، لكن عودة تراجع عن استكمال التجربة وباع السيارة وقال: اكتشفت أنها لا تناسب نمط الحياة التي تعودت عليها وأدمنتها، ووجدت أن «من فات قديمه تاه» بمعني حرمانه من استخدام قدميه في جولاته القاهرية الممتعة الدءوبة، والجلوس حيث شاء في المقاهي، ومنها إلي المكتبات والفرجة علي الناس وواجهات المحلات، ثم الصعود أيضا علي الأقدام إلي القلعة للائتناس بصديقه العبقري المهندس حسن فتحي أو زيارة مرسم الفنان التشكيلي الكبير حسن سليمان ، وربما وحشته استنارة الشيخ سعاد جلال ودعاباته، ومن ثم يشد إلي بيته الرحال دون تعب أو كلل! وقد عرف لعودة سكن خاص لأول مرة بعد زواجه من تلميذته النجيبـة السيدة عائشـة، وهي كانت - يرحمها الله - جميلة وفنانة رقيقة، وقد أبدعت في تنظيم حياته ووفرت له أسباب الاستقرار الاجتماعي. وقد جزع إلي حد توقع النهاية لحياته عندما أصيبت بمرض عضال، وتكبد ما فوق طاقته من الآلام النفسية والمال وحملها للعلاج في لندن بعد أن أعياها الشفاء في القاهرة، ومن نعم الله وفضله علي عودة عندما داهمه المرض وأجري العديد من العمليات الجراحية أخيرا، أن حالفه التوفيق والسعادة وتزوج السيدة مني التي أصبحت خير عون ورفيق له، وأضفت علي حياته المزيد من البهجة والطمأنينة والمؤانسة! والشاهد أنني حين تعرفت علي محمد عودة لأول مرة، كان من سكان «البانسيونات» التي كانت تملكها عهدئذ سيدات وأرامل من اليونانيات والأرمنيات والإيطاليات، وقد ظل متنقلا يسلمه بانسيون لآخر منذ ولوجه للعمل بالقاهرة في الأربعينيات، فكان عليه أن يواجه دائما مشكلة ذات شقين.. «الأول» تعثره في دفع الإيجار.. و«الثاني» يكمن في تسريب ثروته الوحيدة من الكتب تباعا وإنقاذها من صاحبة البانسيون في الوقت المناسب، وبعدها لا يهم أن تضع يدها علي كامل منقولاته الشخصية إلي حين الوفاء بالإيجار المتأخر! وكتابات عودة لا يختلف ظاهرها عن باطنها.. فهو يحمل ضميرا لا تستطيع أعتي موجات المناصب والإغراءات اختراقه.. لذلك يعمل له رجل السياسة ألف حساب لرأيه الصريح دوما في توجهاتهم ومواقفهم أو تراجعاتهم علي البعد ومن دون الاقتراب منهم.. وذلك أن شخصيته لها صفات تشبه صفات الضمير، رغم أنها لا تظهر علي السطح أحيانا، لكنها تختفي في أعماقه وتتحرك تلقائيا في مواجهة كل التصرفات الخاطئة والمعوجة علي السطح في الوقت المناسب! وعلي قدر معرفتي بعودة وخباياه ومكنوناته النفسية والفكرية، أحسب أن أحلامه الوطنية والقومية ظلت دوما متأججة وترفض أن تخبو أو تتواري أمام توالي الهزائم والانكسارات وبأس أعداء الأمة وإجهاض ثوابتها تباعا، مع تفاؤله باجتياز الأمة العربية لمحنتها ونهوضها من كبوتها حتما بعد سقوط بغداد. كذلك تواضعت مواصفات المثالية التي كان ينشدها في أصدقائه وتلاميذه، فأصبحت خليطا من صفات جيدة وأخري ليست كذلك، خاصة وقد اكتشف أن صراحته في حسابهم نوع من القسوة التي قد تفضي إلي انفضاضهم من حوله، فآثر القدوة والتوجيه ضمنيا إلي الطريق المستقيم! ويرفض عودة أن يراه البعض زاهدا أو ناسكا أو راهبا، فلا أكاد أعرف في حياتي من يطاوله في حب الحياة والاستمتاع بمباهجها ولذائذها.. يقول: من لا يحب الحياة ويثق بها فمن رابع المستحيل أن يضيف إليها شيئا.

إذا كـــان هنــاك مرجعيـــة مؤتمنـة عـلي فكر جمال عبد الناصر وتراثه، فـــلا شك في أنـــه محمـد عودة

صفحات من كتاب: صعاليك الزمن الجميل يوسف الشريف دار الشروق 2004

منذ مطلع أربعينيات القرن الماضي، ولا يـــزال محمـــد عـــودة ســـائحا سواحا علي قدميه في دروب القاهرة، يجوب شوارعها وحواريها ومعالمها التاريخية، ولا يمل التردد علي مقاهيها ومنتديـاتها ومســارحها ومكتباتها

إن «عودة» ظل ــ ولايزال ــ مبهورا شــديد الإعجاب بالتجربة الهنـــدية، وبثالوث زعامتها (غاندي ـ نهرو ـ أنديرا غاندي) لكأنــه واحد مــن كــوادر أو كتاب حزب المؤتمـــر

يسكن عودة في شقة صغيرة لا تتعدي غــرفتين في عمارة الأوقاف بالدقي،حيث تربطه علاقات إنسانية رائعة بالناس الذين هم فوق السطح، وهم سلالة البوابين والخدم

كتابــات عـــودة لا يختـلف ظاهــرهـا عـــن باطنهــا.. فهو يحمل ضميـــرا لا تســتطيـــع أعتـــي موجـــات المناصــب والإغراءات اختراقه..
هذا المحتوى مطبوع من موقع وجهات نظر
وجهات نظر © 2009 - جميع الحقوق محفوظة