أســـــــاطير الخـــــــلق .. بين العــــلم والـــــدين
قد لا نغالي إذا قلنا إن أكبر قوتين في العالم تؤثران علي الإنسان هما العلم والدين، وإن الصراع بينهما يتسم بالعنف أحيانًا. بل قد يغالي البعض فيقول إن الصراع بين العلم والدين قد يحدد مصير العالم. أحد أبرز هذه الصراعات في الديانات السماوية هو ما يدور حول الخلق، و أقصد بذلك نظرية دارون وعمر الأرض والكون وما يقوله الدين في هذا المجال. في هذا المقال سوف نستعرض باختصار شديد بعض أساطير الخلق القديمة، وكيف حارب بعض رجال الدين النظريات العلمية الحديثة بينما حاول آخرون استيعاب تلك النظريات بأسلوب ديني مستنير. وإن كان هناك تناقض، بل وأحيانا عداء بين العلم والدين، إلا إن العلم الحديث كما سنري بدأ يبحث عن حاجة الإنسان للدين أو بالأحري لروحانية الدين والتي قد يكون لها عامل وراثي. وإن كنا سوف نتحدث أساساً عما يدور في العالم المسيحي وما يدور في أمريكا خاصة لأسباب سيراها القارئ، إلا إن العالم الإسلامي لا يختلف كثيراً في منظوره للصراع بين العلم والدين عن العالم المسيحي.
[ 1 ]
ربما كان بحث الإنسان عن الخالق قديمًا قدم الإنسان. من أوائل الرسومات التي رسمها الإنسان القديم هي صور إنسان له رأس حيوان. كان ذلك في أحد كهوف أوروبا منذ أكثر من ثلاثين ألف عام، ويعتقد علماء تاريخ الإنسان أن تلك الرسومات تنم عن رجل دين أو ساحر. وقد يبدو غريباً أن تنتشر مثل تلك الرسومات أو التماثيل في أماكن مختلفة وفي أوقات مختلفة ودون سابق اتصال. وبعض تلك الممارسات ذات الطابع الديني ما زالت موجودة أو مازال يوجد آثار منها في بعض البلاد.
كان الإنسان من قديم الأزل يتأمل في الخلق وما يحدث للإنسان بعد الوفاة وربما كان ذلك مبعث العديد من الأديان القديمة. ولما كانت التجمعات الإنسانية متناثرة أصبح لكل تجمع إنساني رؤية خاصة في فلسفة الأديان وفي الخلق تتناسب وظروف تلك المجتمعات. هكذا تعددت الأديان القديمة وتعددت فلسفات الخلق وإن كان هناك بعض التشابه في الأفكار الرئيسية لتلك الأديان. في مصر القديمة - والتي تعد من ألمع الحضارات القديمة - كثرت أساطير الخلق. كانت دورة الفيضان السنوية، تعاقب الليل والنهار، دورة حياة النبات والإنسان.. كلها تشير إلي إعادة الحياة، وكان ذلك مصدر إثراء للأساطير القديمة. إحدي هذه الأساطير هي أسطورة إله الشمس رع ويوجد عدة صور لتلك الأسطورة لعل أبرزها تلك التي ابتكرها كهنة هليوبوليس. تقول تلك الأسطورة إنه في البداية كانت مادة الكون قبل تكوينه (نون) هي التي خرج منها إله الشمس (رع) والذي خلق نفسه وبإرادته ثم خلق(شو) إله ما فوق الأرض وزوجته (تفنت) إله ما تحت الأرض. وقد أنجب هؤلاء الإله (جب) وهو الأرض وزوجته الإله (نوت) وهي السماء. ثم أنجب هؤلاء بدورهم الآلهة أوزيريس، إيزيس، سيث، ونفثي ليحكموا الأرض. ثم أنجب أوزيريس وإيزيس الإله حورس. حدث خلاف بين الآلهة كان من نتيجته أن الإله أوزيريس أصبح إله ما بعد الموت، وأصبح حورس حاكم الأرض وقد تقمص صورة الفرعون أي أن كل فرعون أصبح حورس. كانت هذه إحدي نظريات الخلق وهناك نظرية أخري ابتكرها كهنة ممفيس وهي نظرية الإله بتاح والذي خلق الكون بالكلمة وهو الأسلوب الذي اتبع في الديانات السماوية وبعض الديانات الأخري القديمة. وكان هناك أيضاً الإله آمون وأساطيره في الأسرة الثامنة عشرة، وهي الأسرة التي شهدت أيضاً مولد الإله أتون، ويعتقد الكثيرون أن الديانة الآتونية هي أول ديانة توحيد، وقد أثرت كثيراً علي الديانة اليهودية وإن لم يسعدها الحظ في مصر حيث اختفت باختفاء الفرعون إخناتون الذي ابتكر تلك الديانة
وكما كانت هناك نظريات للخلق في كل من مصر، إيران، العراق، سوريا واليونان. ولم يكن باقي العالم بعيداً عن ذلك فكانت هناك أساطير في اليابان ودول آسيا الأخري وتجمعات البشر في أوروبا والأمريكتين وأفريقيا وحتي في المناطق التي كانت معزولة تماماً مثل أستراليا وجزر هاواي كانت هناك أساطير للخلق وكونت جزءاً مهماً من تلك الديانات.
تألقت الحضارات والديانات القديمة في الشرق الأوسط وكانت تلك المنطقة أيضاً مبعثاً لكل من اليهودية والمسيحية والإسلام والتي غزت العالم ليتحول قرابة نصف سكان العالم للمسيحية والإسلام. وإن كانت أغلب الديانات القديمة قد اختفت - أو دخل بعض من مفاهيم تلك الديانات في المسيحية والإسلام - إلا إن الأمر يختلف في الصين والهند وبعض بلاد الشرق الأقصي. إن ديانات تلك البلاد مازالت ديانات حية يعتنقها في الهند والصين فقط حوالي بليونين ونصف بليون إنسان. ولأننا في حوارات الأديان نتناسي وجود ديانات أخري فإننا هنا سوف نستعرض باختصار شديد بعض أساطير الخلق والأديان في كل من الهند والصين.
كان فلاسفة الصين القدامي يعتقدون أنه قبل بداية الكون لم يكن هناك شيء، وبمرور الزمن تكونت النواة الأولي والتي سميت الواحد العظيم Great Monad. ثم انقسمت النواة الأولي إلي ذكر وأنثي ونتيجة توالدهما نتج الكون. تقول الفلسفة الشائعة لدي الصينيين إنه بعد أن تكوَّن الكون أنجبت الآلهة الإله Panش Ku والذي كان لديه العلم الكامل وهو الذي نظَّمَ الكون (كان الكون قديماً يعني الدولة أو التجمُّع الإنساني في ذلك المكان). عندما مات الإله Panش Ku أصبح صوته هو الرعد، عينه اليسري أصبحت الشمس، عينه اليمني أصبحت القمر، دمائه أصبحت الأنهار، شعره أصبح المزروعات، لحمه أصبح تراب الأرض، عرقه أصبح الأمطار، والطفيليات التي حللت جسمه خرج منها الإنسان.
أما الديانة الهندوسية فهي أقدم ديانة حية في العالم، وقد تبدو لأول وهلة ديانة معقَّدة متعددة الآلهة وتسمي Santana Dharma والتي تعني الديانة الدائمة. الحكماء الذين صاغوا تلك الديانة في كتاب مقدس اسمه Vedas (اسم مشتق من العلم) سجلوا في ذلك الكتاب ما كان سائداً في ذلك الزمان القديم. ويصف هذا الكتاب المعبود Brahma بأنه الكامل، ما يؤخذ منه فهو كامل وما يتبقي أيضاً فهو كامل، لو أخذ الكل فالكل كامل وما تبقي أيضاً فهو كامل. هو معبود غير محدود موجود في الإنسان وفي كل الكائنات وفي كل زمانٍ ومكان. ولهذا يعتبر بعض الهنود أن كل الكائنات مقدسة حتي الحشرات. ولصعوبة تخيل المعبود غير المحدود فهو يعبد في عدة صور ترمز للإله الواحد. فمثلاً Visha صورة للإله الخالق،Vishna صورة للإله المستديم، وShiva صورة لإله التدمير وإعادة الخلق والبناء، وهناك صور أخري لهذا المعبود فالهندوسية علي مستوي معين ديانة توحيد، وعلي مستوي آخر هي عبادة أصنام، يتوقف ذلك علي مدي إدراك الهندي لمفهوم الهندوسية. وتعد البوذية ديانة مشتقة من الهندوسية وإن كانت في الحقيقة فلسفة حياة تعتمد أساساً علي تعاليم بوذا. هذه التعاليم تعتمد علي الفقر الاختياري والتأمل meditation الذي يمكِّن الإنسان من التحكم في حواسه وأن يتجرد من الكثير من الرغبات الإنسانية والتي يسبب بعضها شقاء الإنسان. بهذا يصبح الإنسان في وحدة مع بوذا ومع باقي المخلوقات أو الطبيعة ويفقد إحساسه بالذات وتتحقق له سعادة حقيقية متجردة من الاحتياجات الدنيوية، ويتحقق للإنسان ذلك السمو الذي يسعي إليه الكثيرون ولكن يحققه قليلون. وهناك بعض التشابه بين البوذية والصوفية في كل من المسيحية والإسلام. والبوذية في أصلها لا تتعارض مع أي دين، (يوجد بالهند حوالي مائة مليون مسلم). انتشرت البوذية في أغلب بلاد الشرق الأقصي ومنها الصين واليابان وكوريا، وقد امتصت البوذية بعضاً من تقاليد وديانات تلك البلاد. ولا يوجد تعارض يذكر بين العلم والدين في أغلب بلاد الشرق الأقصي وإن بدأ في الهند - مع ازدياد المد الهندوسي القومي - يظهر الصراع بين العلم ونظرية الخلق الهندوسية.
وكما كان هناك تشابه بين تماثيل ورسومات لإنسان ذي رأس حيوان في أماكن وأوقات مختلفة في العالم فإن هناك أيضاً بعض التشابه بين أساطير الخلق والأديان في العالم. إن العديد من تلك الأساطير تشتمل علي وجود كائن أو مخلوق عظيم هو أساس الخلق، وقد يتبع ذلك آلهة أخري أو عائلة من الآلهة لكل منها تخصصات معينة. ولم يكن بالضرورة خلق الأرض هو أول الخلق، بل كانت المياه والشمس والقمر تسبق خلق الأرض أحياناً, وكانت علاقة الإنسان بالحيوان - وخصوصاً الثعبان - موجودة في العديد من الأساطير وكذلك كانت فكرة الخطيئة ويوم الحساب موجودة في بعض الأديان.
مع تطور الإنسان القديم حدث تغير في مخ الإنسان القديم كان من نتيجته أنه تمكَّن من اختراع اللغة ومن التفكير المجازي ومن التفكير في الحياة والموت وأصبح قادراً علي أن يحكي ويتخيل قصة. ونتيجة صعوبة الحياة وعدم القدرة علي فهم المجهول بدأ الإنسان يفلسف هذه الأمور لتساعده علي الحياة، فكانت الأساطير والأديان القديمة. يعتقد بعض العلماء أن الأساطير كانت عامل تطويري مهم في تاريخ الإنسان. وقد كتب Joseph Campbell ما يقرب من العشرين كتاباً عن أساطير الخلق والأديان ومدي التشابه في فكرتها الأساسية motifs)). وقد قال ذلك المفكر الكبير «إن التفسير الحرفي للدين يفقد الدين جماله، ويؤدي إلي عدم توافق بين العلم والدين».
يبدو مما سبق أن حاجة الإنسان للدين قويه وقديمه قدم الإنسان، فهل هناك دافع وراثي لذلك؟ يقول مؤلف كتاب The God Gene - ( جين الإله) إن هذا محتمل. هذا الكتاب يميز بوضوح بين الدين كطقس وبين الروحانيات(1) وما يعنيه المؤلف وهو عالم وراثة (geneticist ) هو جين خاص بالروحانيات وليس بالدين كطقس. الروحانيات قد تكون جزءاً من الممارسات الدينية، ولكنها قد تكون مختلفة عن الدين كما نفهمه، بل يقول المؤلف إن بعضاً ممن قابلهم ويتميزون بروحانية عالية لا يؤمنون بالإله الخالق. وجد مؤلف الكتاب وجود جين (وحدة وراثية) من الممكن أن يكون له تأثير علي روحانية الإنسان، بل قد يكون هناك أكثر من جين واحد لذلك. إن الإنسان روحاني بالفطرة، فهو يؤمن بأشياء لا يراها ولا يحسها. وبينما الروحانيات قد يكون لها عامل وراثي إلا إن الدين مرتبط بالثقافة والبيئة والمكان ونري ذلك في اختلاف الأديان. ويربط مؤلف الكتاب وآخرون بين جين أو جينات الروحانيات وبين نظرية دارون للنشوء والارتقاء بالسؤال التالي: هل هذا الجين ناتج جانبي لتطور الإنسان أم إنه جين مهم يساعد الإنسان علي الحياة الصعبة ؟ يؤيد المؤلف السبب الثاني. وعمومًا تعد علوم التطور البيولوجي للإنسان وكذلك التطور السيكولوجي علوم غير دقيقة مثلها مثل العديد من العلوم الإنسانية. وهذا النوع من الأبحاث خصوصاً فيما يتعلق بالدين يعد علوماً في مهدها، وهي تثير الكثير من الاهتمام. ومن ناحية أخري وجد علماء دراسة المخ أن المخ يتأثر بالروحانية العالية وتمكنوا من تسجيل هذا التغير بصور عديدة وباستخدام أجهزة دقيقة(2).
[ 2 ]
كان العلم في الماضي البعيد بسيطًا، ولم يكن هناك تعارض بين العلم والدين بل كان بعض رجال الدين هم العلماء. مع بداية القرن السابع عشر وبداية عصر التنوير في أوروبا بدأ يظهر بعض التناقض بين العلم والدين. بزغ أول هذه الخلافات القوية من نتيجة أبحاث العالم الإيطالي جاليليو (1564-1642). كان جاليليو عالماً في الرياضيات والفلك، وقد بني تليسكوب بسيط قدرته علي التكبير حوالي32 مرة. كان نتيجة دراسته للفلك أنه وجد أن الشمس تقع في مركز المجموعة الشمسية وأن باقي الكواكب - ومنها الأرض - تدور في فلك الشمس. كانت هذه بداية خلافات جاليليو مع الكنيسة التي رفضت نظريته ومنعته من التدريس وقدمته لمحاكم التفتيش التي حددت إقامته داخل منزله إلي أن توفي بعد ثماني سنين من تاريخ محاكمته. هذا ولم تلغِ الكنيسة قرار تكفير جاليليو إلا حديثاً. ثم كان عالم الأحياء البريطاني تشارلز دارون الذي قدَّم نظريته عن تطور الكائنات والانتخاب الطبيعي سنة 1859 بعد أن كان قد تردد في نشرها قرابة 22 عاماً خوفا من رجال الدين. وقد مثلت تلك النظرية مشكلة هامة لمفهوم الكنيسة التقليدي. حيث إنه إذا صدقت تلك النظرية فإن التفسير الحرفي للإنجيل يصبح غير صحيح، وإذا كان تطور الكائنات عشوائياً وبالاختيار الطبيعي كما اقترح دارون فهذا قد يعني أيضاً عدم وجود الإله الخالق ! ومن ناحية أخري اكتشفت بقايا إنسان قديم عمرة 6،4 مليون عام. أما فيما يختص بالكون فقد اكتشف العلماء بلايين من المجرات التي تحتوي علي بلايين الكواكب وأن هذه المجرات تبتعد عن بعضها بسرعة هائلة. هذا يعني أن الكون يتسع. وإذا كانت المجرات السماوية تبتعد عن بعضها فهذا يعني أيضاً أنها كانت في وقت مضي غير بعيدة عن بعضها. النظرية النسبية لأينشتين ضمنيا تشير إلي أن الكون والزمن ذاته لا بد أنه كان له بداية، هذا وقد تمكَّن كل من Roger Pearose وStephen Hawking من استنتاج أن بداية الكون كان انفجاراً رهيباً سمي Big Bang نتج عنه كل الكون بما فيه من مجرات وكواكب. ومن معدل ابتعاد المجرات عن بعضها قدَّر العلماء أن عمر الكون ما بين 10 و 15 بليون سنة. أما عمر الأرض فقد حدده العلماء بـ 3،4 بليون عام وذلك باستخدام النظائر المشعة. فعمر الأرض إذن ليس ستة آلاف سنة كما تقول الكتب السماوية لو فُسِّرَت حرفيا.
خرج العلم من القمقم ولا يمكن إعادته. وما خرج من القمقم لم يكن كله خير أو كله شر، بل كان كالإنسان الذي اكتشفه أو استعمله به الخير والشر معاً. كان الأمل - وما زال - كبيراً في العلم، ولكن بعض رجال الدين قابلوا العلم بالذهول ثم بالكراهية الشديدة. أما فيما يختص بالخلق فليس هناك بلد يشتد فيه هذا الصراع مثل أمريكا. والغريب أن أمريكا هو البلد الذي أرسل إنساناً إلي القمر منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ثم أرسل التلسكوب الهائل (Hubble ) لاكتشاف الفضاء الواسع، وهو البلد الذي أنجز العديد من الاكتشافات الهامة والتي هز بعضها العالم هزَّاً شديداً كان بعضه مُدمِّرًا مثل ما حدث في هيروشيما وناجازاكي خلال الحرب العالمية الثانية. إن ما يدور في أمريكا الآن فيما يختص بالخلق إنما هو حرب ضروس ساحتها الإعلام والمحاكم القضائية والانتخابات وكذلك الإرهاب الديني، وسنعود لذلك.
أين يقف العلم الحديث من نظرية دارون ؟ من الممكن تلخيص نظرية دارون لتطور الأنواع في عاملين: الأول هو وجود اختلافات وراثية بين أفراد النوع الواحد، والثاني هو وجود طفرات عشوائية (تغيرات وراثية) بعضها مفيد وقد يستمر ويحدث التطور وبعضها ضار وغالباً لا يستمر. وقد اختفي فعلاً عدد هائل من المخلوقات (قدَّره بعض العلماء بأنه 99.99% من جميع المخلوقات التي وجدت علي سطح الأرض). هناك إجماع بين العلماء المتخصصين علي قبول نظرية دارون، ليس هذا فقط، بل يعتبر العلماء أن تلك النظرية تعد من أهم النظريات العلمية وحتي اليوم. وأقصد بالعلماء المتخصصين هؤلاء العلماء الذين ينشرون أبحاثهم في مجلات علمية محترمة. يأتي جزء من الإجماع علي نظرية دارون من الأبحاث التي قدمها العلماء في المائة وخمسين عاماً الماضية، خصوصاً في علم الحفريات paleontology والتي أثبتت أن العديد من الكائنات القديمة قد اختفي، وأضافت الحفريات أيضاً العديد من حلقات التطور للإنسان والحيوان، والتي لم يعرف دارون أغلبها وإن كان قد تنبأ بها. لقد نشر العلماء آلاف الأبحاث التي تؤيد نظرية دارون. أمَّا أبحاث الجينوم الحديثة والتي حدَّدَ عددها بحوالي ثلاثة بلايين وحدة واستغرقت هذه الأبحاث حوالي عشر سنين، واشترك فيها بجانب الأمريكان علماء من فرنسا، ألمانيا، إنجلترا، الصين، واليابان، فماذا تقول لنا هذه الأبحاث عن نظرية دارون ؟ تقول إن 98 % من جينوم الإنسان تشابه تلك التي في الشمبانزي، وأن الفأر الذي عاش من قرابة مائة مليون عام يشترك مع الإنسان في بعض الجينات، فالكروموسوم (وحدة وراثية في الخلية عليها العديد من الجينات) رقم 20 في الإنسان يشابه الكروموسوم رقم 2 في الفأر. الأمثلة من هذا النوع عديدة ولا داعي للمزيد منها في هذا المقال. بعض جينات الإنسان يوجد مثيل لها في الحيوانات، الطيور، الأسماك والنباتات - حتي وحيدة الخلية منها. معني هذا أن أصل كل الكائنات واحد. ليس هذا فقط، بل تمكَّن العلماء من نقل جينات من بعض الحيوانات لبعض النباتات لتُكسبها صفات معينة. فمثلاً نقل جين من سمك موسي لنبات الطماطم ليزيد قدرة النبات علي تحمل الحرارة ولإطالة عمر ثمرة الطماطم بعد حصادها.
أمَّا عن الإنسان فيقول لنا الجينوم إن درجة التشابه بين الإنسان وأخيه الإنسان هي 97،99%. ورغم درجة التشابه العالية إلا إن وجود اختلاف بسيط (03،0%) مهم جداً لبقاء الإنسان والكائنات الأخري. مرض الإيدز مثلاً مرض خطير أصاب ما يقرب من 40 مليون إنسان ويقتل العديد - خصوصاً في البلاد الفقيرة. ورغم خطورة هذا المرض إلاَّ إن بعض حاملي الفيروس لا يتأثرون به لوجود اختلافات طفيفة في تركيبهم الوراثي. وهناك أمثلة أخري لذلك ؛ فالأنفلونزا التي أصابت العالم في أوائل القرن الماضي قتلت حوالي 50 مليون إنسان، وكان من الممكن أن تقتل أغلب أو كل سكان العالم لولا وجود تلك الاختلافات البسيطة في جينات الإنسان، ونفس الشيء من الممكن أن يقال عن أمراض السرطان العديدة، والتي تفتك بالعديد من الناس كل عام. هذه الاختلافات البسيطة والتي تسمح باستمرار العديد من الكائنات (99.99% من الكائنات اختفي لعدم تمكُّنه من مقاومة ظروفه البيئية) تنبأ به دارون، رغم عدم معرفته بالعلوم التي نعرفها الآن. إن نظرية دارون والتي عمرها أكثر من 150 عاماً أصبحت نظرية راسخة في العلم، وما زالت تلك النظرية تشغل العديد من العلماء.
[ 3 ]
كيف ينظر رجال الدين للعلم الحديث؟ من الممكن تقسيم نظرة رجال الدين للعلم إلي خمسة أقسام. أما ما يحدث في أمريكا فسنفرد له جزءاً خاصاً، حيث إنه أمر مُعقد وله مدلولات سياسية تؤثر علي السلام العالمي، وأمريكا في هذا المجال تختلف كثيرا عن بقية الدول الصناعية المتقدمة.
أول الأقسام الخمسة يمثله الصراع بين العلم والدين. فهناك عدم فهم وعدم ثقة وكراهية متبادلة بين رجال العلم ورجال الدين. يعزز بعض العلماء رأيهم بما حدث لجاليليو ودارون. ولا يشمل ذلك كل العلماء، فالعديد من العلماء مؤمنون. فأينشتين مثلاً لا يعترف بوجود إله خالق، ولكنه يري الكثير من الغموض في هذا الكون، وهو يحترم ذلك ويعتبر ذلك نوعاً من التدين. ولكن بعض العلماء يري أن المفهوم الضيق للدين عقبة في سبيل تقدم العلم. ومن ناحية أخري يري بعض رجال الدين أن العلم يهدم الدين، فهم يتمسكون بحرفية الدين، ولا يرون في العلم سوي أنه يتعارض مع الدين ويري البعض أن أسلحة الدمار الشامل وتلويث البيئة أمثلة لما يؤدي له العلم الحديث.
ثاني تلك الأقسام يدعي أهله أن هناك اختلافًا بين العلم والدين، وهذا الاختلاف يأتي من أن العلم يخضع لقوانين قد تتغير أو تنهدم، أما الدين فلا يخضع لمقاييس العلم، فهو مبني علي الإيمان، بينما العلم مبني علي الشك. العلم يبحث في الحقائق التي تساهم في سعادة الإنسان المادية، أما الدين فهو مهتم بسلوك وأخلاقيات الإنسان ويساهم في سعادة الإنسان الروحية.
ثالث تلك الأقسام يدعو أهله إلي الاتصال بين العلم والدين. فالإنسان يعيش في هذا العالم بالعلم والدين، والانفصال التام بين العلم والدين قد يؤدي إلي صراع ذاتي. وإن كان العلم لن يثبت وجود الإله الخالق إلاَّ إنه يجب علي رجال الدين أن يلموا بالعلم الحديث وأن يحاولوا إيجاد بعض التفسير الديني لبعض النظريات. فالعلم في نظر هذه الطائفة سوف يساعد علي اتساع مفهوم الدين.
رابع هذه الأقسام يري أن الدين ممكن أن يعزز العلم. يري أصحاب هذا الرأي أن الدين من الممكن أن يؤيد كل النظريات العلمية، فالدين يعزز الحاجة للمعرفة (اطلبوا العلم ولو في الصين) ويذكرنا أصحاب هذا الرأي أن الجامعات العريقة في أوروبا وأمريكا أصلها جامعات دينية، وما زالت تدرس الدين وبها أقسام قوية لدراسة اللاهوت. ويعتمد أصحاب هذا الرأي علي التفسير المجازي المستنير. وأحد رواد التفسير المجازي في المسيحية في قرونها الأولي هو أحد المصريين واسمه أوروجينوس Origen (185-254 م)، وتُعقّد عن أعمال ذلك الرائد القديم مؤتمرات عالمية دورية لمدي مناسبة أسلوبه في التفسير للعصر الحديث، وإن كانت أعماله لم ترُق للكنيسة القديمة ــ وقد سبق لي كتابة مقالٍة عن أوروجينوس ونُشر في مجلة الهلال في شهر سبتمبر سنة 2003.
أما القسم الخامس فهو يخلط بين الدين والخيال الواسع. أصحاب هذا القسم يرون إعجازاً علمياً في الكتب السماوية. فلا جديد في هذه الدنيا إلا وهو موجود في الكتب السماوية. ويلجأ أصحاب هذا الرأي إلي تفسيرات دينية ملتوية تعتمد علي الاقتطاف الانتقائي لتفسير بعض الأحداث، والتي منها الحرب العالمية، هتلر، القنابل الذرية، وهكذا. بل وذهب البعض في أمريكا إلي كتابة قصة دينية مستوحاة من الإنجيل عن نهاية العالم (Left Behynd by Tim Lehaya and Jerry B. Jenkins) والغريب أنه قد بيع من هذه القصة ما يقرب من خمسين مليون نسخة!! وبالأسف فإن هذا النوع من التفسير منتشر عندنا في مصر بين أقباطها ومسلميها وتفرد له بعض جرائدنا الرائدة صفحاتها.
[ 4 ]
أما ما يحدث في أمريكا فيما يختص بالخلق فهو أمر معقَّد يعكس التناقض الكبير الموجود في المجتمع الأمريكي. فأمريكا من ناحية متصدرة للعلم، ولكن من ناحية أخري لا ينعكس هذا التقدم العلمي علي مفهوم الدين حيث أن 28% فقط من الأمريكان يوافقون علي نظرية دارون ! إن اكثر من 50 % من الأمريكان يؤمنون بحرفية الإنجيل، تزيد هذه النسبة في الولايات الجنوبية وولايات الحزام الديني والتي أغلبها ولايات زراعية فقيرة، بينما تقل تلك النسبة في الولايات الشمالية والغربية وأغلبها ولايات صناعية وغالباً غنية.
المجتمع الأمريكي يعد امتداداً طبيعياً للحضارة الغربية، إلا أن هناك بعض الفروق الهامة، فهناك فجوة ثقافية بين الأوروبيين والأمريكان فيما يختص بالخلق فالأوروبيون ينظرون بسخرية للتيار الديني المتطرف بأمريكا، حيث أن البلاد الأوروبية تدرس نظرية دارون ونظرية تكوين الكون دون أن يكون هناك أي معارضة لذلك. كيف اكتسب التيار الديني الأمريكي بمفهومه الضيق هذه القوة الهائلة وأصبح يسيطر علي رئاسة الدولة والتي أصبحت تؤيد تدريس المعجزات في المدارس العامة؟ للإجابة علي هذا السؤال لابد من العودة للتاريخ الأمريكي. كانت البروتستانتية الأوروبية في القرن السادس عشر انسلاخاً من الكنيسة الكاثوليكية ومن سيطرة وفساد بعض باباوات روما. البروتستانتية تلغي الكهنوت وتجعل الاجتهاد في التفسير مباحًا لكل من عنده القدرة لذلك. اكتسبت البروتستنتية قوة كبيرة، وتبع ذلك اضطهادات وحروب دينية عديدة بينها وبين الكاثوليكية. الأجيال الأولي التي هاجرت لأمريكا بداية من القرن السابع عشر كانت أجيالاً تعاني من الاضطهاد الديني في أوروبا، وكان أغلبهم بروتستانت متشددين ذوي توجه أصولي. كانت البروتستانتية في ذلك الوقت مازالت حديثة عهد، ولم تكن لها قوانين واضحة. كان من نتيجة ذلك حدوث خلافات كنسية أدت إلي انشقاقات نتجت عنها العديد من الكنائس المستقلة، الأمر الذي أضعف الاتجاه البروتستنتي. استمر الحال كذلك حتي استقلت الولايات الأمريكية عن بريطانيا، ثم كان الدستور الأمريكي سنة 1787، والذي يعد حصيلة التاريخ الأوروبي بداية من القرن الثالث عشر بداية بالماجنا كارتا. يهمنا من الدستور الأمريكي التنقيح الأولThe First Amendment والذي ينص علي الفصل بين الكنيسة والدولة، وقد قال توماس جيفرسون أحد واضعي الدستور وثالث رئيس أمريكي بعد واشنطن وادام: «نريد أن نبني حائطاً بين الكنيسة والدولة». حتي ذلك الوقت لم يكن هناك صراع يذكر بين الكنيسة والدولة.
قدم دارون نظريته عن النشوء والارتقاء سنة (1859) أي بعد 72 سنة من الدستور الأمريكي، وقبل عام واحد من الحرب الأهلية الأمريكية (1860-1865). كان الجنوب الأمريكي في ذلك الوقت مجتمعاً زراعياً يعتمد علي الرقيق الأسود، أما الشمال فكان يعد مجتمعاً صناعياً متقدماً بالنسبة للجنوب. انهزم الجنوب في الحرب التي أنهكته كثيراً، وما زالت رواسب الخلاف بين الشمال والجنوب موجودة للآن في المجتمع الأمريكي. بدأ الجنوب المنهزم يعيد ترتيب أوراقه، وفي هذا المناخ بدأ التيار الأصولي في الجنوب يكتسب قوة كبيرة لعدة أسباب منها العداء للتيار المسيحي المنادي بمفهوم مستنير ومناسب للعصر وللعلم الحديث، وخصوصاً فيما يتعلق بأصل الكون والإنسان، ومنه أيضاً أن الأصولية تنتشر في الأوساط الأقل علماً، وكان الجنوب كذلك، حيث إن أغلب جامعات أمريكا المرموقة كانت - ومازالت - في الشمال. أصبح البعض في الجنوب يعادي العلم والذي يمثله الشمال. بدأت التيارات الأصولية المختلفة تنسق سياستها العامة، وكان ذلك مصدر قوة كبيرة للأصوليين وأصبحوا قوة لا يستهان بها في بداية عشرينيات القرن الماضي.
في سنة 1925 في ولاية تنسي Tennesse الجنوبية قام أحد المدرسين بتدريس نظرية دارون في إحدي المدارس. أثار ذلك عداء الأصوليين الرافضين لنظرية دارون، واجتذب ذلك الخلاف الكثير من الاهتمام داخل وخارج أمريكا. تحت ضغط الأصوليين منعت الولاية تدريس تلك النظرية أولاً بقرار محكمة أولية، ثم أيدت الحكم محكمة الولاية العليا. وقد عرفت هذه القضية باسم Scopes Monkey Trial.. أصبح ذلك القرار مثاراً لسخرية الأوروبيين. لم يتغير الحال حتي سنة 1967 حيث بدأت الولاية في تدريس نظرية دارون بعد سنين طويلة من تدريسها في العديد من دول العالم الثالث. كان ذلك مثالاً لما يحدث في الجنوب الأمريكي.
حديثا ومع انحسار التيار الليبرالي الأمريكي بدأ الأصوليون يرتبون أوراقهم مرة أخري للتأثير علي جهات صنع القرار في السياسة الأمريكية فيما يختص بالدين أولاً، وإن كان عندهم أجندة سياسية يهمنا منها تمويل إسرائيل حتي يعود المسيح المخلِّص ولو علي أسنة الرماح متناسين أن المسيح كان أميراً للسلام ولم يكن أميراً للحرب كما قال جيمي كارتر حديثا. بدأ وُعَّاظ الكنائس المتطرفين يؤثرون في ملايين الأمريكان عن طريق استخدام العديد من محطات التليفزيون والراديو التي أصبحوا يملكونها، وحديثًا استخدموا الإنترنت. وكان العديد من هؤلاء الوعاظ ذوي كاريزماتية كبيرة. أصبح للأصوليين مؤسسات قوية أثَّرَت في انتخاب مرشحي اليمين الجديد، كان ذلك بدءاً من رونالد ريجين، ثم بوش الأب ثم بوش الابن، وكذلك العديد من رجال الكونجرس الأمريكي، وحُكَّام الولايات. اعتبر البعض أن ما حدث هو انقلاب سيطر به الأصوليون علي رئاسة الدولة وتغلغلوا في مصالح الدولة وفي وظائفها المهمة، ولو أن سيطرتهم علي الحكم كانت عن طريق ديمقراطي، إلا إنها كانت بأغلبية ضئيلة، بل وكانت بقرار المحكمة الدستورية العليا لانتخابات سنة 2000 والتي أتت ببوش الابن. استخدم الأصوليون كل قوتهم وأصبح الانفصال بين الكنيسة والدولة - وهو من أهم أسس الديمقراطية السليمة - هلامياً وغير واضح المعالم. وأصبح ذلك خطراً يهدد الدولة من الداخل، حيث إن الأصولية في المجال الديني هي اليمين الراديكالي في المجال السياسي.
حين أصبحت نظرية دارون تُدرَّس في كل المدارس واكتسبت المزيد من التأييد العلمي، ولم يكن من السهل - حتي علي الأصوليين - الطعن في تلك النظرية أو تجاهلها، تفتق ذهن بعض الأصوليين عما سموه نظرية الخلق الذكي Intelligent Design وهي الاعتراف بحدوث التطور بعد إعادة القوة الدافعة للتطور ليس لعشوائية التطور التي اقترحها دارون، بل للإله الخالق حيث إن الطبيعة معقدة للغاية وليس من المعقول أن تكون الكائنات قد وصلت لما وصلت إليه بطريقة عشوائية. نشر الأصوليون وحلفاؤهم عدداً كبيراً من الكتب التي تنقض نظرية دارون أو التي تؤيد نظرية الخلق الذكي ولم يكن ما كتب علمياً، رغم وجود غشاء رقيق من العلم لا يثبت أمام النقد العلمي. ولم يتمكن هؤلاء من نشر ورقة علمية واحدة في مجلة علمية محترمة أو حتي نصف محترمة. ولكن الأصوليين تمكَّنوا من عمل الكثير من الضوضاء بحجج واهية. فهم يدَّعُون أنه يجب سماع كل الأطراف وأن ذلك في صالح العلم، ولا يجب أن تُفرَض رقابة علي بعض الآراء، وخصوصاً أنه ما زال هناك حوار بين العلماء فيما يختص بنظرية دارون. ولكن ما يتجاهله هذا الرأي هو أن نظرية دارون لا يوجد عليها غبار، والحوار بين العلماء هو حوار علمي لإجابة أسئلة محددة وفي الإطار العام لنظرية دارون. مثال ذلك: لماذا يحدث التطور سريعاً أحيانًا وبطيئاً أحياناً أخري، أو لماذا تختفي بعض الأصناف , هل التطور يتم بطريقه عشوائية دائما أم أن هناك دافعًا ذاتيا للتطور نابعًا من الخلية ذاتها أحيانا.. وهكذا. هذا هو العلم.. يثير الكثير من الأسئلة، وهذا حوار علمي، ولكن ما يدفعه الأصوليون هو وجهة نظر دينية مكانها الطبيعي مدارس وكليات اللاهوت.
ذهب الأصوليون للمحاكم لفرض تدريس الخلق الذكي كنظرية (علمية) بجوار نظرية دارون في المدارس الحكومية رغم المعارضة الشديدة من رجال التعليم. هذا وقد وافقت المحكمة العليا بولاية كانساس الجنوبية في شهر نوفمبر عام 2005 علي فرض تدريس نظرية الخلق الذكي كوجهة نظر أخري بجوار نظرية دارون. ولكن ما سوف يدرس سيكون أمراً في غاية الصعوبة علي واضعي مقررات التعليم. ومن ناحية أخري في نفس الشهر خسر كل المرشحين المؤيدين لتدريس الخلق الذكي في انتخابات اللجنة التعليمية في مدينة بولاية بنسلفانيا وحل محلهم رافضو تدريس تلك النظرية. وقد قررت المحكمة الفدرالية قرار بعدم تدريس الخلق الذكي. وهناك 14 ولاية أخري قد يذهب بعضها أو كلها للمحاكم لفرض تدريس الخلق الذكي، وقد تتقدم بعض الديانات الأخري طالبة تدريس نظريات لأديان الأخري. وسوف يستمر هذا الصراع لفترة أخري. وقد يكون وجه من هذا الصراع هو المفهوم الخاطئ لما تعنيه كلمة نظرية. فقد يعتقد البعض من البسطاء أنها قد تكون مجرد فكرة أو رأي دون الحاجة لإثباتات. ولكن النظرية بمفهومها العلمي تُعد تفسيراً واضحاً لعديد من الظواهر وتعتمد علي حقائق يجب إثباتها، بل وتكون ثابتة بمرور الزمن، وكم من نظريات ثبت عدم صحتها.
هذا المد الأصولي لا يمكن أن يستمر، بل ربما يكون قد وصل إلي مداه وبدأ في التراجع كما تؤشر بعض الدلالات السياسية من متاعب للحكومة في مجالات عديدة. لقد قال جيمي كارتر الرئيس الأمريكي السابق إن تغلغل الأصوليين في الحكم أمر خطير علي مستقبل أمريكا، وإن تدخل الدولة في شئون الدين أمر لا تُدرَك عواقبه. فالحكومة تؤيد اتجاهًا مسيحيا معينًا علي حساب الآخرين من مسيحيين، هندوسيين، مسلمين، بوذيين، وغيرهم. هذا الاتجاه لو استمر قد يؤدي إلي حرب أهلية. أما فيما يتعلق بالخلق فلقد قال كارتر إن من كتبوا الإنجيل لم يكونوا خبراءً جيولوجيين أو علماءً في الفيزياء أو الأحياء ولم يعرفوا شيئاً عن تحديد عمر الأشياء بالنظائر المُشِعَّة، فهو يري عدم رفض النظريات العلمية التي تتعارض مع الكتب المقدسة حيث إنهُ يعتبر أن الدين في جوهره رسالة حب وسلام لكل النـاس. هذا ما قاله كارتر في كتــابه الحـــديث قيمنــــــا المهــــــددة (Our Endangered values). وأهمية ما قاله كارتر أنه أولاً جاء من رئيس أمريكي سابق، وقد جري العرف علي ألاَّ ينقض الرؤساء السابقين الرئيس الحالي، وثانياً أن كارتر مسيحي شديد التدين وواعظ كنسي، وما قاله كارتر أيضاً إنه يؤمن بالعلم ويحترم الفصل بين الكنيسة والدولة.
الهوامش
(1) الروحانية تعتبر أقصي درجات التعبد، وإن كان من الصعب وصف الروحانية، إلا إنه من الممكن اعتبارها حالة سكون في المخ مصحوبة بالوحدة مع الخالق أو الطبيعة أو.... والوصول لهذه الحالة يتم عن طريق ممارسات مختلفة، ففي هذا المجال تختلف البوذية عن التصوف في كل من المسيحية والإسلام في الطريقة، إلا أنه في أقصي حالات التأمل يصلون جميعاً لحالات متشابهة.
(2) يهمنا منها جهاز the single photon emission compute tomography (SPECT).. باستخدام هذا الجهاز تمكَّن العلماء من تسجيل قلة تدفق الدم في منطقة بالمخ متخصصة بمكان الإنسان وحركته في الفضاء المحيط به. وبذلك يفقد المتمرسون في التأمل وجودهم الذاتي مؤقتاً، وهذه الحالة هي ما توصف بأنها الالتحام بالخالق أو الطبيعة أو..... هذه التجارب وما يشابهها تجري علي الرهبان البوذيين، لما هو معروف عنهم بعمق التأمل. ولمزيد من التفصيل رجاء الرجوع لمرجع رقم3.
كان فلاسفة الصين القدامي
يعتقــــدون أنه قبـــل بدايــة الكــــون
لـــم يكـــن هنـــاك شـــيء، وبمــــرور الزمــــن
تكونت النواة الأولي والتي سميت الواحد
العظيــــم Great Monad. ثم انقســــمت
النـــــــواة الأولي إلي ذكـــــر وأنثــــــي
ونتيجــة توالدهـما نتـج الكــون
مع مفتتــح القـرن السابع عشر
وعصـــر التنـوير في أوروبــــا بدأ يظهـــر
بعض التناقض بين العلم والدين. بزغ أول هذه
الخلافات القوية من نتيجــة أبحــاث العالم
الإيطالي جاليليو (1564ــ 1642)