عرب في الحقـوق يهـود في الواجبات ..الدروز في إسرائيل



لشدة ما ألم به انفجر باكياً في مركز الشرطة بعد أن اقتيد إليه مكبلاً بالسلاسل. في الطريق من البار وحتي المركز باءت كل محاولاته للاستفسار من الشرطي الذي ألقي القبض عليه عن الأسباب التي دفعته للإقدام علي مثل هذا الإجراء ضده. الشرطي أبلغ رؤساءه أنه ألقي القبض علي هذا الشاب بعد أن سمعه يتحدث في هاتفه النقال باللغة العربية، فظن أنه فدائي فلسطيني يعتزم تفجير نفسه في نزلاء البار، فألقي القبض عليه للتحقيق معه. سرعان ما أطلق سراح هذا الشاب «العربي»، بعد أن تبين أنه قائد لأحد أكثر ألوية المشاة في الجيش الإسرائيلي نخبوية. هذا ما حدث في سبتمبر من العام الماضي، في مدينة «نهاريا»، شمال إسرائيل، للعقيد عماد فارس، الدرزي، الذي يقود لواء «جفعاتي». هذا اللواء الذي أخذ علي نفسه قمع الانتفاضة الفلسطينية في قطاع غزة. فعندما تنقل وسائل الإعلام خبر عملية اقتحام، أو قتل، أو تدمير للمنازل، قام بها جيش الاحتلال في قطاع غزة، فبشكل تلقائي يعرف أن لواء «جفعاتي»، بقيادة العقيد عماد فارس، هو الذي نفذها. فهذا الشاب الذي تجاوز بقليل سن السادسة والثلاثين، لم تغفر حقيقة خدمته في صفوف الجيش الإسرائيلي ثمانية عشر عاما ً حتي الآن، فيقاد إلي مخفر الشرطة لكونه تلفظ بكلمات بالعربية في مكان كل من يتحدث فيه العربية يثير الشبهات. هذا أحد أعراض أزمة الهوية المتفاقمة التي يعيشها آلاف العرب الفلسطينيين من أبناء الطائفة الدرزية في الدولة العبرية. فمن ناحية يؤدي الدروز كل «الواجبات»، التي يؤديها اليهود لدولة إسرائيل، وعلي رأسها الخدمة الإجبارية في الجيش الإسرائيلي مع كل ما يقتضيه ذلك من التصادم مع أبناء شعبهم، ومن ناحية ثانية تتعامل الدولة العبرية مع الدروز كما تتعامل مع بقية العرب الفلسطينيين الذين يعيشون داخل الخط الأخضر في كل ما يتعلق بـ «حقوق المواطنة»، مع كل ما يعنيه هذا من إجحاف علي كل المستويات. وقد بدأ أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل يشعرون أن خدمتهم في الجيش الإسرائيلي، وهلاك المئات منهم في الحروب التي خاضتها إسرائيل لم يقنع دائرة صنع القرار في الدولة العبرية بإنصافهم ومساواتهم علي الأقل باليهود الذين لا يخدمون في الجيش الإسرائيلي، من أمثال أتباع التيار الديني الأرثوذكسي. إزاء هذا الواقع فإن الكثيرين من المثقفين الدروز أخذوا ينادون علناً برفض الخدمة الإجبارية في الجيش الإسرائيلي وحل إشكالية الهوية القومية للدروز في إسرائيل بإعادة الالتحام بالبعد القومي العربي والوطني الفلسطيني، لدرجة أن حسين عباس، هو درزي خدم في الجيش الإسرائيلي ثلاثين عاماً، حتي حصل علي رتبة عميد يقول «أن ممارسة الإجراءات العنصرية ضد الدروز جعلتني أشعر بعد هذه الخدمة الطويلة في الجيش الإسرائيلي أني عربي رغم أنفي، ولذا فإني لن أجعل أياً من أبنائي يخدم في هذا الجيش مهما كان الثمن». جذور الأزمة: في العام 1956 أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول دفيد بن جوريون قراراً بصفته وزيراً للدفاع يلزم أبناء الطائفة الدرزية بالخدمة الإجبارية في الجيش الإسرائيلي، ومنذ ذلك الوقت والشباب الدرزي يخدم في معظم وحدات الجيش الإسرائيلي المقاتلة. فلماذا وافق الدروز علي دفع هذه الضريبة الدموية؟ وكيف استطاعت إسرائيل أن تقنع الدروز بعقد حلف الدم هذا معها؟. يقول سليمان الناطور، وهو كاتب وأديب درزي من ذوي التوجهات الوطنية والعروبية «أن هذا يعود لكون الدروز أقلية هامشية، وقد اعتقد قادتها التقليديون أن هذا يتطلب منهم البحث عن جهة أجنبية تمنحهم الحماية من أجل البقاء». ويضيف الناطور «أن الخلافات المذهبية بين الفلسطينيين في ذلك الوقت لعبت دوراً كبيراً في خلق هذا الواقع، فالطائفة الدرزية هي طائفة مذهبية صغيرة تعيش في وسط إسلامي كبير لم يكن يرضي عن طقوسها وعاداتها الدينية، الأمر الذي تولد عنه احتكاكات شعر الدروز علي أثرها، بحاجة إلي من يدعمهم في مواجهة الأغلبية الإسلامية». ويواصل الناطور «أن أقطاب الحركة الصهيونية فطنوا إلي حقيقة الخلافات المذهبية بين الدروز وباقي العرب الفلسطينيين، فاتصلوا بهم من أجل تعميق هذه الخلافات وتشعيبها وأقاموا معهم علاقات حميمة، وقد برز من بين القادة الصهاينة في هذا المجال «أبا حوشن»،رئيس بلدية حيفا، في ذلك الوقت الذي أقنع الكثيرين من الدروز بالتعاون مع المنظمات الصهيونية العسكرية قبل الإعلان عن الدولة العبرية وخصوصاً «الهاجناة». وبعد إقامة الدولة العبرية، صادرت الحكومة الإسرائيلية معظم الأراضي التي تعود للدروز، فحرموا من مصدر رزقهم الوحيد: الزراعة، وبذلك وجد الدروز في الخدمة في الجيش الإسرائيلي مصدراً للرزق، حتي أن الكثيرين من القيادات الدرزية قد وقعت في العام 1955علي عريضة تطالب الحكومة الإسرائيلية بفرض الخدمة الإجبارية علي الدروز، وهذا ما كان في العام الثاني. وكما يقول الصحافي الدرزي هشام نفاع فقد أدت خدمة الدروز في الجيش الإسرائيلي لعشرات السنين إلي فقدان معظمهم للشعور بالانتماء للأمة العربية والشعب الفلسطيني. وقد عملت الدولة العبرية علي قتل انتماء الدروز للعروبة والشعب الفلسطيني. فهم لا يعتبرون أن الدروز عرب ولا فلسطينيون، وقد تواطأت قيادة الدروز التقليدية مع الدولة العبرية في ذلك. وأصبحت القيادات الدرزية تشدد علي أن الدروز إسرائيليون وكفي. لكن لم تقتصر جهود الصهاينة من أجل سلخ الدروز نهائيا عن قوميتهم العربية علي التأثير فقط علي القيادات التقليدية، بل قاموا بإعداد خطة منهجية لقتل روح الانتماء بأسس تربوية محددة الأهداف، فألزموا الطلاب الدروز بتلقي مناهج تربوية خاصة، غير تلك التي يتلقاها بقية الطلاب العرب. وكما يضيف الصحافي هشام نفاع فإن هذه المناهج تهدف إلي خلق الشعور لدي الطالب الدرزي أنه ينتمي الي طائفة مستقلة ولا يربطها بالعرب والفلسطينيين أي رابط. فقد درس هؤلاء الطلاب التاريخ الدرزي الذي يركز بشكل خاص علي العلاقة التاريخية الخاصة بين الدروز ودولة إسرائيل. ومع أن العربية لغة الدروز، فقد درسوهم بما يسمي بالأدب الدرزي، حيث كانوا يقدمون الأديب والشاعر شكيب أرسلان علي أنه أديب درزي فقط، بالرغم من أنه أمير البيان العربي في العصر الحديث كما يقول نفاع، وكل هذا من أجل تعميق الشعور باستقلالية الهوية الدرزية. ويواصل نفاع قائلاً: «لقد وصل الاستخفاف بوعي الدروز إلي درجة أن أعدوا لهم مناهج خاصة بالعلوم والطبيعة، فتجد: «كيمياء الدروز»، و«فيزياء للدروز»...الخ. ويقول نكد نكد، عضو في «لجنة المبادرة العربية الدرزية»،، وهي أهم المنظمات الدرزية التي تطالب بإلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية علي الشبان الدروز إن «وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية تقوم عمليا بتجهيز الدروز ليكونوا جزءًا من الجيش. ومنذ عشرين عامًا تفرض الوزارة خطة تعليمية تطلق عليها «المنهاج التعليمي الدرزي»، مضامينها عبارة عن كمية من المعلومات بدون مضمون مفيد. فعلي سبيل المثال يعلمون الأولاد ما يسمي بـ«التقاليد الدرزية»، معظم الحقائق التي يتم عرضها خلال دروس هذه المادة تعتبر تزييفـًا للتاريخ. كذلك لم تتردد الدولة نفسها في التدخل في قضايا دينية، حيث ألغت أعيادًا مسلمة احتفل بها الدروز، واخترعت أعياداً جديدة خاصة بالدروز». مقاولو الأعمال القذرة وتفرض الخدمة الإلزامية علي جميع الشبان الدروز، باستثناء الذين تفرغوا للعبادة. وبعد انقضاء الخدمة الإلزامية التي تمتد إلي ثلاث سنوات، يواصل معظم الشباب الدرزي لدوافع اقتصادية الخدمة في الجيش. ويخدم الدروز بشكل خاص في ألوية المشاة المختارة المقاتلة. وقد وصل عدد كبير منهم نسبياً إلي رتب عالية في الجيش، ويعتبر ارفع ضابط درزي في الجيش الإسرائيلي هو الجنرال يوسف مشلف، منسق شئون الضفة الغربية وقطاع غزة في وزارة الدفاع الإسرائيلية وقد سبق له أن شغل منصب قائد الجبهة الداخلية. والي جانب الخدمة في الجيش، ينخرط الدروز في أفرع الشرطة الإسرائيلية المختلفة، وخصوصا في شرطة «حرس الحدود»، حيث أن درزيا يقود هذه الشرطة حاليا، وهو الجنرال حسين فارس. ولزيادة الشعور بالكراهية والحقد المتبادل بين الدروز وبقية أبناء الشعب الفلسطيني، فقد تم استخدام الكثير من الشباب الدرزي في الخدمة في هذا الفرع من أفرع الشرطة الإسرائيلية، حيث إن شرطة «حرس الحدود»، كانت ومازال لها الباع الطويل في قمع الفلسطينيين، حيث تنص التعليمات الصادرة لأفراد «حرس الحدود»، علي التعامل بشكل مهين وحتي سادي مع الفلسطينيين. ويري الشيخ جمال معدي رئيس لجنة المبادرة الدرزية أن هدف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كان واضحا وهو توجيه نقمة الجماهير الفلسطينية إلي غير عنوانها الصحيح، حيث تولد الانطباع أن الجندي الدرزي يقوم بالأعمال القذرة عبر إبراز الممارسات غير الأخلاقية لهؤلاء الجنود بأنهم ينفذون تعليمات وسياسة الحكومة الإسرائيلية. اللافت للنظر أن الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية تستعين بخدمات الدروز في المحاولات لتجنيد عملاء لها من بين الفلسطينيين، إلي جانب قيامهم بالتجسس علي الدولة العربية. ففي أواسط الثمانينيات من القرن الماضي أصدر الأسري الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية بياناً أكدوا فيه أن عدداً من الممرضين الدروز الذين يعملون في السجون يربطون استعدادهم لتقديم الخدمات الطبية للمرضي من الأسري وبين موافقة هؤلاء علي التعاون مع المخابرات الإسرائيلية بحيث يتجسسون علي إخوانهم من قادة الأسري. إلي جانب ذلك فإن عدداً من الدروز الذي يعملون علي المعابر الحدودية التي تفصل الضفة الغربية وقطاع غزة عن إسرائيل يساومون الفلسطينيين علي منحهم التصاريح اللازمة لدخول الدولة العبرية بحيث يتم ربط خدمة منح التصاريح بالموافقة علي التعامل مع المخابرات الإسرائيلية. الممارسات المشينة للجنود الدروز ضد إخوانهم من فلسطينيي الضفة الغربية دفعت حركات المقاومة الفلسطينية إلي حد التهديد بتنفيذ عمليات استشهادية في قلب التجمعات السكانية الدرزية. أما التجسس علي الدول العربية وتنظيم شبكات تجسس فيها فيعتبر مثال عزام عزام المعتقل في مصر أحد أمثلتها. لكن التضحية بالانتماء للعروبة لم يقنع قادة الدولة العبرية باستثناء الدروز من سياسة التمييز العنصري التي تمارسها ضد بقية الفلسطينيين داخل حدود 48، ويؤكد نزيه خير سكرتير اتحاد الكتاب العرب في إسرائيل وهو درزي أن إسرائيل قامت بمصادرة 70% من الأراضي التي يملكها الدروز، وأقامت عليها كيبوتسات ومستوطنات زراعية لليهود. ويكاد يجمع قادة ومثقفو الطائفة الدرزية علي ذكر ما يحدث الآن لقرية «بيت جن»، وهي القرية الدرزية التي فقدت أكبر عدد من أبنائها في حروب إسرائيل ضد العرب والفلسطينيين، حيث أن وزارة الإسكان الإسرائيلية، صادرت جميع الأراضي المحيطة بالقرية بحجة أنها تقع ضمن محميات طبيعية ومنعت بذلك أي فرصة لاستغلال هذا الأراضي بالزراعة والإسكان، حيث يعاني الأزواج الشباب في هذه القرية من ضائقة سكن خانقة، وفي مقابل ذلك يقول نفاع وهو من «بيت جن». إن القري اليهودية تتوسع في كل اتجاه دون أن يعترض علي ذلك أحد. ويلفت الشيخ جمال معدي الأنظار إلي حقيقة أن هناك بوناً شاسعاً بين معدل الدخل السنوي لليهود والدروز. فمعدل دخل الفرد الشهري في بلدة «معلوت» اليهودية يصل إلي اثني عشر ألف شيكل (ألفان وثمانمائة دولار )، بينما لا يتجاوز الألفي شيكل لدي جارتها الدرزية «حورفيش». ويقول جهاد سعد، من قادة «لجنة المبادرة العربية الدرزية» «إنني أشرح للدروز أن الادعاء الإسرائيلي بأنهم سيحصلون علي حقوق أكثر من غيرهم إذا خدموا في الجيش غير صحيحة. نعرف أن هناك قري عربية في إسرائيل لا يخدم أبناؤها في الجيش الإسرائيلي وتعيش أوضاعًا اجتماعية واقتصادية أفضل بكثير من القري الدرزية». ويقول نهاد ملحم، عضو حركة «المعروفيون الأحرار»، وهي حركة تناضل ضد الخدمة الإجبارية للشبان الدروز من قرية كفر ياسيف: «إن المشكلة المركزية هي إقناع الشبان بأنه يمكن التحرر من الاتكال علي الجيش، إذ من الصعب إقناع أولئك الذين يعتمدون علي الجيش كمصدر رزقهم بذلك، دون توفير بدائل أخري. يتوجب إحداث التغيير عبر التربية. علينا أن نعلم أولادنا بأن يختاروا الدراسة الأكاديمية بدل الخدمة العسكرية وتشجيعهم علي عدم الاتكال اقتصاديا علي الجيش. وعلي الرغم من الحديث عن الشراكة في الدم بين اليهود والدروز، فإن إسرائيل قد استثنت الدروز من العمل في مؤسسات الدولة الهامة في الدولة العبرية. وباستثناء مرة واحدة ولحسابات سياسية محضة، فلم يحدث أن تم تعيين درزي في منصب وزير، في حين لم يحدث أن تم تعيين درزي في منصب مدير عام أو قاض في المحكمة العليا، وحتي بعد أن خدم الدروز لعشرات السنين في صفوف الجيش الإسرائيلي، وأثبتوا إخلاصهم للدولة اليهودية، إلا أن هيئة أركان الجيش ترفض تجنيدهم في بعض أفرع الجيش مثل سلاح الجو، أو الاستخبارات العسكرية، أو صفوف المخابرات العامة. ويؤكد المعلق العسكري لصحيفة «هارتس» زئيف شيف أن المؤسسة العسكرية لازالت تتعامل مع الدروز بصفتهم عرباً. ويتحدث فؤاد داهش، وهو طالب درزي في جامعة حيفا بمرارة عن تردي أوضاع الدروز. ويقول أن الدروز لم يستفيدوا من خدمتهم في الجيش الإسرائيلي علي صعيد الرقي بأبنائهم ورفع مستوي معيشتهم، ويكفي أن نعلم أن الدروز هم أقل الطوائف العربية تمثيلاً في الجامعات، مع أن فؤاد نفسه رفض الخدمة في الجيش الإسرائيلي لأسباب ضميرية، وبقي فترة طويلة في السجن بسبب هذا الموقف. نظرة عنصرية عندما سأل أحد الصحافيين الحاخام مئير كهانا الزعيم الهالك لحركة «كاخ» المتطرفة، التي تدعو إلي طرد جميع العرب إلي خارج حدود فلسطين «هل تطالب بطرد أبناء الطائفة الدرزية من إسرائيل علي الرغم من خدمتهم في الجيش الإسرائيلي؟»، فرد كهانا بكل ثقة «نعم، ولكننا سنحرص علي توفير حافلات مكيفة لهم أثناء الطرد».وقد امتدت الممارسات العنصرية ضد الدروز لتصبح ملاحظة جلية في كل المجالات، حتي في الجيش، والتي تدعي إسرائيل أنه «البوتقة» التي انصهر فيها الدروز واليهود. فقد قالت ضابطة يهودية كبيرة في الجيش الإسرائيلي مؤخراً أن السبب الذي دفع إسرائيل لتجنيد الدروز وهو من أجل منعهم من الانضمام لصفوف حماس والجهاد الإسلامي. وقد رفض أحد الضباط أن يستقل جندي درزي سيارته بحجة أنه «عربي قذر»، كما أن شركة الطيران الإسرائيلية الحكومية «آل عال»، رفضت أن يجلس ضابط درزي في أركان الطائرة بحجة أنه يمثل خطراً علي من يجلسون حوله من الركاب.وأفردت الصحف العبرية مساحات كبيرة للحديث عن الأساليب العنصرية التي يتعرض لها الجنود الدروز الذين يلقي بهم في السجون العسكرية بسبب تجاوزات انضباطية. ويعتبر الدكتور أسعد غانم المحاضر في جامعة حيفا أن الحالة الدرزية تجسد أقصي درجات الضياع الوطني والقومي. فالدروز في إسرائيل تحدو أبناء شعبهم وأمتهم من أجل الحصول علي امتيازات مادية قد تحققها خدمتهم في الجيش، لكنهم وجدوا أنفسهم ضحايا لنفس السياسة العنصرية التي يتعرض لها سائر العرب في إسرائيل. وحسب أقوال حاتم حلبي، عضو لجنة «المعروفيون الأحرار»، التي تناضل ضد خدمة الدروز في الجيش الإسرائيلي فإن «إلزام الدروز في إسرائيل بالخدمة العسكرية أتت للفصل بين الدروز وغيرهم من الفلسطينيين من ناحية، وبينهم وبين الدروز في سوريا ولبنان». ويضيف «من المؤسف أن المؤسسة الإسرائيلية نجحت إلي حد ما في ذلك. إسرائيل تريد أن تجعل الدروز جزءاً من الصراع العربي الإسرائيلي وزعزعة استقرار المنطقة. الدروز في إسرائيل هم الأضعف بين الطوائف الأخري وقامت إسرائيل باستغلال ذلك لخدمة مصالحها الخاصة». ويواصل حلبي قائلاً «الموضوع بمجمله مادي إذ أن هناك محاولات لتحويل أبناء الطائفة الدرزية إلي متعلقين بالاقتصاد الإسرائيلي. مصدر الرزق الوحيد لـ27% من أبناء الطائفة الدرزية هو الجيش الإسرائيلي. ويأتي هذا علي حساب التعليم الأكاديمي، وبلورة الهوية القومية وشعور الانتماء للشعب الفلسطيني والعربي». ومن ناحيته يشن سلمان الناطور هجوماً حاداً علي القيادة التقليدية للدروز التي وافقت علي خدمة الشباب الدرزي في الجيش الإسرائيلي من أجل مكتسبات علي صعيد الخدمات، ويقول«إذا كانت إسرائيل دولة ديموقراطية فإن كل مواطنيها يجب أن يتمتعوا بالحقوق المدنية ماداموا يدفعون الضرائب». ويحمل الصحافي هشام نفاع علي قيادة الطائفة الدرزية التي قادت أبناءها إلي هذا الوقع البائس. ويتساءل «تري لو حدث سلام بين إسرائيل والدول العربية، فماذا سيقول دروز إسرائيل لإخوانهم الدروز في الجولان وسوريا ولبنان». ويضيف «أن خدمة الشباب الدرزي في الجيش الإسرائيلي عار يلطخ شرف كل الدروز أينما كانوا وحيثما حلوا». وقد تبين أن عملية حساب النفس الجادة والعميقة أتت أكلها في أوساط الشباب الدرزي. ففي مطلع حزيران، يونيو الماضي، أصيبت دوائر صنع القرار في الدولة العبرية،، والقيادة الدرزية التقليدية المتواطئة معها بالصدمة جراء الكشف عن نتائج دراسة أجرتها لجنة المبادرة الدرزية، وتبين من خلالها أن 40% من الشباب الدرزي يرفضون أداء الخدمة العسكرية الإلزامية في صفوف جيش الاحتلال. وأكدت الدراسة التي اعتمدت علي استطلاع رأي واسع في صفوف الشباب الدرزي، أن الشباب الدرزي أصبح علي استعداد للتصريح بأنه عربي فلسطيني ويرفض الخدمة العسكرية، مع كل ما يترتب علي ذلك من اعتقال في سجون الشرطة العسكرية لجيش الاحتلال. وحسب الدراسة فإنه يمكن في كل أسبوع العثور في السجون العسكرية علي 30 سجينـًا درزيا رافضًا للخدمة العسكرية و30 متهربـًا من صفوف الجيش لأسباب مبدئية أو ضميرية أو اقتصادية. ويتم الإفراج عن خمسة إلي عشرة سجناء دروز، شهريا. والمنظمات والجمعيات واللجان الدرزية الأهلية التي تشجع رفض خدمة الشبان الدروز في الجيش الإسرائيلي تتزايد في الآونة الأخيرة وتعمل بشكل مكشوف. وقد أقيمت «لجنة المبادرة الدرزية العربية» في العام 1972، وهي واحدة من ثلاثة تنظيمات تمارس نشاطات في هذا المجال. كذلك تنشط في هذا المجال حركة «المعروفيون الأحرار» التي أقيمت خلال الانتفاضة الأخيرة. وتأخذ الحركات المختلفة علي نفسها مسئولية تغيير قانون الخدمة العسكرية الإلزامية للدروز، الذي أصبح ساري المفعول في العام 1956، وتحويله إلي خدمة اختيارية. وحسب إحصاءات حركة «المعروفيون الأحرار» فإن عدد الرافضين للخدمة يتزايد بشكل مستمر، وقد سجل في قرية البقيعة وحدها، 70 رافضًا جديدًا للخدمة العسكرية في الشهرين الأخيرين، فقط.ويقول أحد الشبان الدروز الذي حصل مؤخرًا علي إعفاء من الخدمة العسكرية، ويدعي صقر نفاع وهو من سكان قرية بيت جن: «أرفض الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي بدوافع قومية. إنني عربي فلسطيني وغير مستعد لأن أكون جزءًا من الإرهاب العسكري الممارس علي الفلسطينيين. كذلك لدي أقارب في سوريا ولبنان وأنا أنتمي إليهم وجزء منهم». وتلقي صقر في السنتين الأخيرتين أوامر بالمثول من أجل التجند للجيش في دائرة التجنيد في حيفا. ويقول صقر: «بعد سنة ونصف من إرسال الرسائل، أخبرتهم أنني غير معني بتأدية الخدمة العسكرية. لقد أعطوني مهلة زمنية للتفكير، وحذروني من أنه قد يتم اعتقالي إذا لم أتجند للجيش. لم أفكر مرتين، بل قمت بتسليم نفسي لأقرب محطة شرطة وسجنت خمس مرات، حيث بلغ عدد أيام السجن 84 يومًا، خلال ستة أشهر».ويضيف صقر نفاع أن الكثيرين حاولوا إثناءه عن قراره، لكنه كان يرد عليهم بأن إسرائيل دولة عنصرية لا تعطي حقوقـًا متساوية للأقلية العربية فيها. ويضيف أن السجن قوي عزيمته، فقد التقي بجنود من الإرهاب العسكري الممارس علي الفلسطينيين. كذلك لدي أقارب في سوريا ولبنان وأنا أنتمي إليهم وجزء منهم». وتلقي صقر في السنتين الأخيرتين أوامر بالمثول م أجل التجند للجيش في دائرة التجنيد في حيفا. ويقول صقر: «بعد سنة ونصف من إرسال الرسائل، أخبرتهم أنني غير معني بتأدية الخدمة العسكرية. لقد أعطوني مهلة زمني للتفكير، وحذروني من أنه قد يتم اعتقالي إذا لم أتجند للجيش. لم أفكر مرتين، بل قمت بتسليم نفسي لأقرب محطة شرطة وسجنت خمس مرات، حيث بلغ عدد أيام السجن 84 يومًا، خلال ستة أشهر».ويضيف صقر نفاع أن الكثيرين حاولوا إثناءه عن قراره، لكنه كان يرد عليهم بأن إسرائيل دولة عنصرية لا تعطي حقوقـًا متساوية للأقلية العربية فيها. ويضيف أن السجن قوي عزيمته، فقد التقي بجنود ندموا علي خدمتهم في الجيش الإسرائيلي، فضلا عن تشجيعه من قبل رافضي الخدمة اليهود الذين مكثوا في السجن، أيضًا. ويتابع صقر نفاع سرد حكايته قائلاً «بعد سجني 56 يومًا، قاموا بتحويلي إلي لجنة لفحص قضية رفضي تأدية الخدمة العسكرية. عندما أخبرتهم أنني عربي قبل كل شيء ولا أريد الخدمة في الجيش، كان من الصعب عليهم تصديق ما سمعوا، وقالوا إنهم يعتبرونني درزيا. وقد طلبوا مني تقديم وثائق تثبت أنني عربي فأخبرتهم أنه لا توجد لدي وثائق كهذه، فأعادوني إلي السجن!!!!..واقتنعت لجنة الإعفاء في نهاية الأمر أنني غير ملائم للخدمة في الجيش وحصلت علي إعفاء».. ويقول والد نفاع الذي سبق له أن خدم في جيش الاحتلال لمدة ثلاث سنوات «إنني فخور بولدي لأنه فعل ما لم أقدر أنا علي فعله».ويضيف الأب أنه مقتنع تمامًا بأن رفض الخدمة العسكرية من ناحية الدروز يختلف عن دوافعه لدي اليهود ويقول في هذا الصدد: «رفضنا يأتي علي خلفية قومية، فنحن فلسطينيون ولا نوافق علي قتال بناء الشعب الفلسطيني. رافضو الخدمة اليهود يرفضون أن يكونوا جزءًا من جيش يمارس القمع ضد شعب آخر. لكن ظاهرة رفض الخدمة لديهم عززت موقفنا».. وقبل عامين عقد مؤتمر لرافضي الخدمة العسكرية الدروز في قرية يركا في الجليل، حضره ألف من مؤيدي رفض الخدمة العسكرية، بينهم أعضاء كنيست ورجال دين. وتم في المؤتمر المذكور الذي نظمته «لجنة المبادرة العربية الدرزية»، جمع عشرة آلاف توقيع مؤيدة لرفض الخدمة. وتقول اللجنة الآن أن هذا العدد الآن أكبر بكثير. ومن ناحيته يؤكد نكد نكد أن «هناك عدداً لا بأس به من الشباب الدروز المستعدين لفعل أي شيء كي لا يخدموا في الجيش. لقد تحول الكثير منهم إلي متدينين، حيث يعفي الذين يتفرغون للعبادة من الخدمة بالجيش، حاول بعضهم الانتحار، وتظاهر البعض الآخر بأنهم مجانين ليحصلوا علي إعفاء. الكثير من الذين يرفضون الخدمة في الجيش أو يتركونه يفعلون ذلك بدوافع اقتصادية أو ضميرية أو قومية، وبرأيي فإن هذه الظاهرة آخذة بالاتساع. ويضيف أنه «يوجد اليوم انفتاح أكبر في المجتمع الدرزي تجاه رافض الخدمة، إذ بدأ الأشخاص يفهمون أن الطائفة الدرزية تدفع بدمها ولا تحصل علي شيء في المقابل. الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي جلبت للدروز العار. بعض الدروز في الجولان وكذلك الفلسطينيين يقولون إن الدروز خائنون. سمعت هذه الكلمة التي تثير القشعريرة أكثر من مرة». في العام 2000، شارك مندوبون عن «المعروفيون الاحرار» في مؤتمر في العاصمة الأردنية، عمان، شارك فيه دروز من سوريا ولبنان. وقال حاتم حلبي، عضو اللجنة، من عسفيا: «لقد سمعنا تحفظات إخواننا في سوريا ولبنان بشأن خدمة الدروز في الجيش الإسرائيلي، فأوضحنا لهم أن الخدمة إلزامية». ونظراً لعنصرية مؤسسات القضاء في الدولة العبرية، فإن قادة الحركات الوطنية في أوساط الدروز، يدرسون فكرة التوجه إلي محكمة الد ولية في لاهاي، وإقحام المجتمع الدولي في قضيتهم. ويشير حلبي إلي أن الدول في العالم لا تلزم الأقليات فيها بالخدمة العسكرية، خاصة إذا كان القتال ضد شعبهم المحتل.وسائل الإعلام الإسرائيلية تتواطأ مع الطبقة الحاكمة في عدم تغطية رفض الخدمة في صفوف الشبان الدروز، حتي لا تتسع الظاهرة أكثر. ويقول سعيد نفاع، رئيس حركة «المعروفيون الأحرار» إن «هناك تجاهلا ً إعلاميا مطلقـًا لظاهرة رفض الخدمة العسكرية في المجتمع الدرزي. إن الفلسطينيين العرب من أبناء الطائفة الدرزية يعيشون أزمة هوية، لعبت قيادتها التقليدية دوراً هاماً في تفاقمها، لكن كل الشواهد تؤكد أن بوادر نهوض قومي ووطني تنمو في أوساط هؤلاء، بعدما ذاقوا ويلات وتبعات الولاء والانتماء المزيف للدولة العبرية. وقد أجاد خليل أسعد، وهو درزي ترقي في المناصب في الجيش الإسرائيلي حتي رتبة عميد، عندما قال «ما العمل فالدروز في إسرائيل سيبقون عربا في الحقوق يهودا في الواجبات».
لم تقتصر جهود الصهاينة من أجـل سلخ الـدروز نهـائيا عـن قوميتهـم العربية علي التأثير فقط علي القيادات التقليدية،بل قاموا بإعداد خطـة منهجية لقتل روح الانتماء بأسـس تربوية محددة الأهـداف
أبناء الطائفة الـدرزية في إسرائيل يشعرون أن خدمتهم في الجيش الإسرائيلي، وهـلاك المئات منهم في الحروب التي خاضتها إسرائيل لم يقنع دائرة صنع القرار في الدولة العبرية بإنصافهم ومساواتهم علي الأقل باليهود الذين لا يخدمون في الجيش الإسرائيلي، من أمثال أتباع التيار الديني الأرثوذكسي
هذا المحتوى مطبوع من موقع وجهات نظر
وجهات نظر © 2009 - جميع الحقوق محفوظة