مشــروع فاقــد قداســـة
مؤلف هذا الكتاب، لورينزو فيراتشيني، أكاديمي أسترالي، وباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة بجامعة كانبرا الوطنية. ويبدو من الاطلاع علي أعماله الأخري أن اهتماماته لا تقتصر علي الاستيطان الصهيوني، بل تتعداه لتشمل مختلف تجارب الاستيطان الأوروبي في وطنه أستراليا، وغيرها من الأصقاع التي شهدت مشروعات استيطانية تراوحت بين الإخفاق والاستمرار.
تنطلق رؤية لورينزو فيراتشيني لطبيعة وبنية ومسار المشروع الاستيطاني الصهيوني من فكرة أساسية مؤداها أن الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين ليس فريدا أو متميزا بذاته، مهما كانت الانطباعات والتضمينات التي تجترحها وسائط الإعلام ومصادر الأخبار في الغرب. يجادل فيراتشيني بأن أفضل طريقة لفهم هذا الصراع هي في إطار وسياق الاستعمار والاستيطان الأوروبي خارج القارة الأوروبية.
وشأن كثير من المجتمعات الأوروبية خارج أوروبا، تظل إسرائيل مجتمعاً استيطانياً بامتياز. ولدي النظر برؤية تفصيلية متفحصة إلي نشوء وتطور المنظومات والمشروعات الاستيطانية الأخري، كنظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا، والاستيطان الفرنسي بالجزائر، والاستيطان الأسترالي الراهن، يقدم فيراتشيني تفسيراً معمقاً لمختلف حركيات وآليات وسمات الاستيطان الاستعماري، ما يتيح إطارا تفسيريا واضحا يمكن من خلاله فهم وتفسير صراع الشرق الأوسط.
يتحدي فيراتشيني أسطورتين هامتين من الأساطير المؤسسة للكيان الصهيوني، ويرتكز عليها المشروع الاستيطاني. أولاهما، إن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو حالة فريدة في العلاقات الدولية؛ تستعصي علي المقاربات والمقارنات التي تفسر مختلف أشكال وحالات الصراع. ثانيهما، أن مرتكزات الصراع الأساسية هي القومية والدين، وبالتالي فهو صراع مختلف عن صراعات وحروب التحرر الوطني التقليدية الناجمة عن الاستعمار.
تطوير النموذج التفسيري
يقارب المؤلف هذا الصراع باستخدام الإطار أو النموذج التفسيري الكولونيالي إضافة إلي عدد من حالات «الاختبار» أوالضبط والمقارنة؛ وهي طريقة علمية شائعة الاستخدام ومعتمدة تماماً في العلوم الطبيعية والتطبيقية. وبشكل خاص، طور هذا النموذج مفهوماً حول أن الأحوال الراهنة في فلسطين وإسرائيل قد آلت إلي ما هي عليه بحكم أوضاع كولونيالية ونظام استعماري استيطاني قائم علي علاقات مؤسسية وشخصية. يمكن تعريف الأوضاع الكولونيالية بشكل عريض بالجمع بين عنصرين تضمنهما التمييز التحليلي الكلاسيكي لديفيد فيلدهاوس بين«colonization» إقامة المستعمرات أو المستوطنات وإنزال المستوطنين بها وبين «colonialism» نزعة دولة إلي استعمار بلاد أخري أو الاحتفاظ بالسيطرة عليها. وكان فيلدهاوس قد عرف «colonization» باعتباره إعادة إنتاج ناجحة للمجتمع الأوروبي في سياق استعماري/استيطاني، وهو حراك ذو ارتباط واضح بالمجاز الكامن في أصل وتاريخ وصيرورة المصطلح. أما تعبير «colonialism» فهو بدوره يفهم باعتباره فرضاً ناجحاً للسيطرة السياسية والاقتصادية علي إقليم مستعمَر.
وعلي خلاف ذلك، فإن تعريفاً للمجتمع الاستيطاني قابلاً للتطبيق، يمكن أن ينطلق من الوصف الجامع لأنتوني سميث 1986 للدولة الاستيطانية والذي يركز علي سردية تقدمية حول اقتلاع السكان الأصليين بعد تضمين أو صهر متعدد الثقافات. بيد أن كتاب «إسرائيل والمجتمع الاستيطاني» يجادل بأن الخبرة التاريخية لتطور المشروع الصهيوني في فلسطين تتطابق مع كلا التعريفين السابقين.
ينوه المؤلف أن هذا المفهوم الذي طوره لم يأتِ بجديد تماماً، وأن الطبيعة الكولونيالية للصهيونية كمشروع تاريخي قد وردت مراراً وتكراراً في الكتابات الإسرائيلية مثل كتاب باروخ كيمبرلنغ «الصهيونية والأرض»؛ وكتاب جيرشون شافير «الأرض والعمال وأصول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني»، والذي يعتبر الصهيونية صورة من «التوسع الأوروبي عبر البحار في إقليم من التخوم»، وهو نموذج يتأصل ويتأطر حوله الصراع، ويميل إلي التقليل من أهمية الأصل أو السلالة الكولونيالية وظاهرة المواجهة الراهنة بإبراز ملامحها الدينية والقومية. ونتيجة لذلك، لم تتم علي الأغلب دراسة البعد الكولونيالي الراهن للصراع بالتفصيل اللازم.
بيد أن كثيراً من المساهمات البحثية قد أشارت إلي حقيقة أن الصهيونية التاريخية هي في الأساس مشروع كولونيالي، لكنه ذو طبيعة فريدة. ومرة أخري، لا يستطيع فيراتشيني كمؤرخ مقارن للكولونيالية أن يتذكر تأريخاً كولونيالياً لا يشدد علي الفرادة العنيدة لتلك الخبرة الكولونيالية التاريخية. وكانت بعض المناظرات حول موجة التأريخ الإسرائيلية الجديدة في التسعينيات الماضية قد تضمنت مناقشة للعناصر الكولونيالية في الاستيطان الصهيوني. وكان كيمبرلنغ قد نادي بمنهج مقارن يتناول تحليلاً لعملية الاستيطان الأوروبي في أمريكا الشمالية والجنوبية، وجنوب أفريقيا، والجزائر، وأستراليا، ونيوزيلندا من أجل «التعامل مع إرث إسرائيل الكولونيالي؛ وهو إلماع أو تلميح يمس في حد ذاته بأحد المحرمات لدي المجتمع الإسرائيلي والتأريخ الإسرائيلي. كذلك، أقرت أنيتا شابيرا بأن «تعريف حركة باعتبارها استيطان أو كولونيالية قد يساعد جداً علي توضيح العلاقات بين الأمة المستوطِنة والأمة الأصلية. لكن هذه النداءات والاعترافات لم تتم متابعتها بشكل كاف.
وحتي عندما يتم البوح أو التصريح بالأصول الكولونيالية للصراع علي فلسطين، لم يبادر أحد باستكشاف أو تأصيل الحركيات التي أدت إلي تحويل أو تصوير السياق الكولونيالي التقليدي للصراع إلي صراع لا حل له بين قوميتين متضادتين. وحتي إذا ما ذكر البعد الكولونيالي الراهن للصراع، فإنه نادراً ما تتم متابعته أو تأصيله بحثياً. والأمر ذاته يمكن أن يقال فيما يتعلق بالمنهج المقارن، فكثيراً ما تتم مقاربته، ولكنه نادراً ما يكون موضوعاً لأبحاث أكثر عمقاً.
مقارنة المشروعات الاستيطانية
يتكون الكتاب من خمسة أجزاء: مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة. والكتاب مزود أيضاً بهوامش وبيبليوغرافية وافية وفهرست بالأعلام والموضوعات.
يقارن المؤلف في المقدمة بين نمط الاستيطان والأوضاع الكولونيالية في فلسطين وبين نظائرها في ثلاثة أماكن أخري شهدت تجارب تمدد استيطاني في أستراليا وجنوب أفريقيا والجزائر، وذلك باعتبار ومعالجة عدد من الموضوعات أو المعايير هي: الفصل بين المستوطنين والسكان الأصليين، تقييد حراكهم، اعتماد التصنيف العنصري، التأريخ، السرديات والخطابات حول المقاومة وقمعها.
ورغم أن الكتاب يركز بالأساس علي إسرائيل كمجتمع استيطاني، وذلك بإبراز أوضاعها الكولونيالية، إلا أنه في التحليل النهائي يقدم استجابته لما أصبح حاجة ملحة تتعلق بتفسير الموقف والفعل الفلسطيني. فهناك عجز وإخفاق متكرر ومتخندق في ما يعتبر تحليلات كامنة وغنية معلوماتياً حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لتقييم الدوافع والأسباب التي تشكل بعض اختيارات المقاومة الفلسطينية. يجادل فيراتشيني بأن التجاهل المتعمد والممنهج للسمات الكولونيالية المحفزة أو الكامنة وراء الكفاح الفلسطيني تساهم بوضوح في إساءة تفسير هذا الكفاح. وإضافة إلي شكوك متعددة حول صحة فرضيات هذا التجاهل، يبدو أن الجانب الأكثر إدهاشاً فيه هو إخفاقه في اكتشاف الدوافع العقلانية التي تشكل الأفعال الفلسطينية. وهنا يمكن للتفكير الكلاسيكي حول طبيعة الأوضاع الكولونيالية أن يساعد علي فهم الموقف.
يلفت المؤلف إلي أن نظام الفصل العنصري أبارتهيد قد أصبح مسألة يشار إليها بالبنان وباستمرار، ضمن سياقات متعددة بالسنوات الأخيرة، لدي تحليل تطورات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. فالمؤتمر العالمي المناهض للعنصرية والمنعقد في دربان بجنوب أفريقيا 2001، ومحكمة العدل الدولية بلاهاي 2004، ساحتان هامتان لذلك ضمن عملية مراجعة شاملة. كذلك، طور قسم من الحركة الوطنية الفلسطينية استراتيجية تهدف إلي عزل إسرائيل دولياً علي أساس نظامها العنصري.
من ناحية أخري، فإن وعياً ذا دلالة متنامية بهذه القضية، قد ورد مثلاً في تقرير تداولته وزارة الخارجية الإسرائيلية في أغسطس/آب 2004. وكانت هذه الوثيقة التي أعدها مركز الأبحاث السياسية قد حذرت من أن موقف الدولة الإسرائيلية قد يتدهور وينتهي إلي ما آل إليه وضع جنوب أفريقيا في زمن نظام الفصل العنصري. لقد دخل إذن مفهوم نظام الفصل العنصري الضمير الجمعي الإسرائيلي، ووضع علي الأجندة السياسية.
يناقش الفصل الثاني، «جغرافية الفصل الأحادي»، القمع الإسرائيلي للمقاومات الفلسطينية. ويقدم تقييما للإشارات المتواترة إلي نظام فصل عنصري أبارتهيد يمثله الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين، وتقييما لممارسات الطرد والإقصاء الإسرائيلي من خلال المقارنة بسياسات جنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري. يتناول هذا الفصل أنظمة الفصل العنصري الإسرائيلية، ويقارن بين مشروعات الاستيطان الاستعماري، وعملية تحويل الفضاء الفلسطيني علي نسق بانتوستان بجنوب أفريقيا، أي كانتونات معزولة، ويحلل تقييد حراك الفلسطينيين بناء علي الانتماء العرقي.
كانت 1948 سنة حاسمة بالنسبة للتاريخ الكولونيالي في كل من فلسطين وجنوب أفريقيا. وبينما أظهر المشروع الكولونيالي الذي تأسس بعد الانتصار الإسرائيلي في حرب «الاستقلال» أو النكبة الفلسطينية فروقاً هامة مقارنة بالأوضاع الكولونيالية التي تأسست بجنوب أفريقيا بعد الانتصار الانتخابي لحزب جنوب أفريقيا القومي العنصري في نفس السنة، فإن الأوضاع الكولونيالية في كلتا التجربتين قد قامت علي أساس فكرة اقتلاع السكان الأصليين والقيام بطردهم وإقصائهم وعزلهم بالفعل. وهناك أوجه تشابه أخري دالة؛ فقد أصبح كل من النظامين هو الحائز الوحيد للقوة النووية في سياقه الإقليمي الذي يحيطه بالعداء الصريح والعزلة المتواصلة، كما تمتع كلاهما بالدعم الغربي في سياق الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، ودخل كلاهما في إعادة تقييم عميقة لموقفيهما -دولياً وإقليمياً- بعد نهاية الحرب الباردة.
وكان كل من نظام الأبارتهيد بجنوب أفريقيا وتحولات أوضاع إسرائيل باتجاه السيطرة الاستيطانية علي فلسطين قد أبرز ذخيرة مشتركة من الموضوعات والمجازات واللازمات كأساس لكلا المشروعين الاستيطانيين، وكذلك تصوير السكان الأصليين كحالة رومانتيكية نمطية غير عقلانية وعنفية بشكل خاص وغير مبرر. وكغيرهما من المجتمعات الاستيطانية، انشغلت جنوب أفريقيا وإسرائيل بشكل خاص بالقضية السكانية. فرغم الأساطير المتوازية والمتواترة في كلتا التجربتين حول استيطان أرض خالية من السكان أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، فقد أثيرت مسألة السكان الأصليين باستمرار وتم تمثلها بتعبيرات سكانية قلقة، كالحديث عن القنبلة الديمغرافية في إسرائيل أو الخوف من تصاعد معدلات المواليد الأفارقة أو الفلسطينيين، مما يتناقض جذرياً مع مقولة الفضاء الاستيطاني غير المأهول. وبينما يعتبر ذلك توجهاً مشتركاً لدي معظم المجتمعات الاستيطانية، أدت حدة وكثافة التجمعات السكانية المحيطة بتخوم جنوب أفريقيا وإسرائيل نسبياً إلي تشكيل وجدان استيطاني مهووس بالحاجة إلي التلاعب بالأوضاع السكانية لأجل ضمان توازن سكاني مواتٍ لجهود الاستيطان.
يقترح الفصل الثالث، «إشكاليات التحرير الوطني»، منهجاً تحليلياً مقارناً بين حالتي الاستيطان: فرنسا/الجزائر وإسرائيل/فلسطين، حيث هناك مشروع استيطاني مدعوم من قوة استعمارية كبري ترفض الإقلاع عن السيطرة علي منطقة تعتبرها هامة استراتيجيا وأيديولوجيا، في مواجهة حركة وطنية تكافح من أجل الاستقلال.
كذلك، يقارن المؤلف بين مختلف حروب التحرير الوطني. فيحلل الاستجابات أو ردود الفعل الإسرائيلية علي الانتفاضة الثانية مقارناً بين هذه الاستجابات وبين الاستراتيجيات القمعية لنظام الجمهورية الفرنسية الرابعة لدي تعاملها مع حرب التحرير الوطني الجزائرية. في هذا السياق، قراءة الحرب الفرنسية علي الجزائر والطرق التي أثرت بها علي عملية انتقال الدولة الفرنسية إلي الجمهورية الخامسة يمكن أن تلقي ضوءاً علي المواجهات الراهنة في الضفة الغربية وغزة، وعلي المآزق المؤسسية والمجادلات الراهنة في إسرائيل. كما يستعرض الفصل تجارب وعوامل الانتصار في حروب التحرير الوطني، ثم يحلل مختلف سرديات حروب تفكيك الاستعمار.
يعالج الفصل الرابع، بعنوان «العنف المؤسس والمجتمعات الاستيطانية»، إعادة كتابة التاريخ في إسرائيل وأستراليا، والتاريخ الإسرائيلي الجديد، والتاريخ الأسترالي وتاريخ شعوب أستراليا الأصلية، وكتابة التاريخ وانسداد أفق المصالحات. يتناول هذا الفصل تطور عملية كتابة التاريخ في سياقين مختلفين تماما: إسرائيل واستراليا.
وهذا يبرز عدداً من الملامح المشتركة في المعطيات السياسية المؤثرة علي التاريخ وفي الخطاب العام. وهنا تظهر موضوعتان مركزيتان لدي كل محاولة تأريخ وتطورها: الاعتراف النهائي الكامل بسلب واقتلاع السكان الأصليين، والشرعية المجروحة لمؤسسات الدولة الاستيطانية حتي يتم الوصول لتسوية مع المسلوبين المقتلعين. وتتسم هاتان المسألتان بصعوبة واضحة من حيث القدرة علي مواجهة تاريخ حافل بالعنف البالغ والإنكار، وإخفاق تام في عمليات المصالحة.
نماذج استيطان متكررة
ورغم أن المراقبين الفلسطينيين وبعض الإسرائيليين قد أصروا منذ عقود علي طبيعة الفصل العنصري في سيطرة إسرائيل علي الحياة السياسية للفلسطينيين، فقد جاءت التطورات الأخيرة، بما فيها بناء الجدار الفاصل في الضفة الغربية، لتزود المعلقين الفلسطينيين بسبب إضافي للمضي بمقولة نظام الفصل العنصري قدماً. وبينما تتوالي الإحالات إلي نظام الأبارتهيد لدي تناول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لم تُعقد بعد المقارنات التفصيلية بين العمليتين الكولونياليتين في فلسطين وجنوب أفريقيا.
يبين فيراتشيني كيف أن المجتمع الإسرائيلي قد تم تنظيمه بشكل متواز مع الخطوط العامة لنظام الفصل العنصري، وأن نظام الفصل العنصري لم يكن فريداً من نوعه أو مقتصراً علي جنوب أفريقيا، بل هو مظهر مشترك لكافة التجارب الاستعمارية. درس فيراتشيني حروب الشعوب ضد الاستعمار، والصراعات التي تم فيها اجتثاث أو تدمير شعوب أصلية بأسرها، كما كان الأمر في أستراليا، والأمريكتين، وغيرها.
ولدي مقارنة هذه التجارب بجوانبها وخبراتها المختلفة بالتاريخ المعاصر لإسرائيل وفلسطين، يقدم فيراتشيني آفاقا ناقدة للخبرة الاستعمارية وما ترتب عليها من صراعات ونتائج علي الأرض، ورؤي جديدة هامة لأنماط الامبريالية اليوم. وفي تشخيصه لطبيعة أيديولوجية الاستيطان، يورد فيراتشيني نصاً للكاتب الإسرائيلي ألبرت ممي مؤلف كتاب «المستعمِر والمستعمَر»، 1957، حول كيفية طمس المسْتعمِرين لإنسانية المستعمَرين: «إنسانية المستعمَر، التي يرفضها المستعمِر، تصبح مطموسة. فمن العبث، كما يصر المستعمِر، أن تحاول التنبؤ بأفعال المستعمَرين إذ لا يمكن التنبؤ بشيء عنهم! ومعهم لا يمكن التأكد من شيء أو معرفة شيء!. ويخيل للمستعمِر أن هناك نوازع غريبة ودوافع مقلقة تسيطر علي المسْتعمَر. ولا بد أن الأخير هو بالفعل غريب جداً، خصوصاً إذا ما استمر غامضاً جداً بعد سنوات من العيش مع المُسْتعمِر». فالمستعمِر غالباً ما يخفق في تقدير أو الاعتراف بإنسانية الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية؛ وبالتالي يعتبر المستعمِرون هذه الشعوب حالة شاذة، ولا يمكن التنبؤ بسلوكها.
يعتبر فيراتشيني أن معظم الأفكار أو التصورات التي يقترحها الاستيطان الصهيوني فيما يتعلق بمستقبل الفلسطينيين -من حكم ذاتي أو شبه دولة منزوعة السيادة ومفتقرة إلي التماسك الجغرافي والقدرة علي الحياة أو جدار الفصل العنصري- ترمي إلي عزل التجمعات السكانية الفلسطينية في إطار ما كان يعرف في جنوب أفريقيا بـ «البانتوستان»، جزر منعزلة من السكان الأفارقة، تكرس فكرة الفصل العنصري.
عداء وإنكار التاريخ
ويتعرض فيراتشيني للخطاب الاعتذاري الغربي الرافض للمقارنة بين الاستيطان الإسرائيلي ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. فيري مثلاً، أنه علي عكس جنوب أفريقيا، يتمتع العرب في إسرائيل بحقوق سياسية كاملة، كما أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يبدو أقل قابلية للحل. وكانت الأرض أكثر وفرة في جنوب أفريقيا، وليس بها أرض مقدسة. وقد كان البيض في جنوب أفريقيا يخشون مصادرة ممتلكاتهم، أما الإسرائيليون فيخشون الإبادة، وليس في الأرض المقدسة شخص مثل مانديلا. باختصار، إسرائيل ليست جنوب أفريقيا!
يفند فيراتشيني هذا الخطاب بأن الفلسطينيين في إسرائيل لا يتمتعون بحقوق سياسية كاملة، وقد كان بعض السود في جنوب أفريقيا يتمتعون ببعض الامتيازات خلال عهد الفصل العنصري. كذلك، كان البيض بجنوب أفريقيا يخشون الإبادة بمقدار ما يخشي يهود إسرائيل المصادرة، وقد تم صياغة جزء كبير من القومية الأفريكانية البيضاء حول فكرة العهد أو الميثاق الخاص بين جماعات الاستيطان المبكر والرب. بيد أن الهدف الحقيقي من المقارنة الموضوعية بين إسرائيل وجنوب أفريقيا هو إبراز التطورات المتناظرة في سياق ظروف واضحة الاختلاف. وقد تجاهل هذا الخطاب الاعتذاري أن الأرض المقدسة لا تفتقر إلي مانديلا فحسب، بل تفتقر أيضا إلي فردريك دي كليرك، آخر رئيس لجنوب أفريقيا من الأقلية البيضاء قام بتفكيك نظام الفصل العنصري.
وفي سياق نزوع الأيديولوجية الاستيطانية نحو إنكار التاريخ الدموي الحقيقي للاستيطان وعدم الاعتراف بكوارث -تصل حد الإبادة- والتي أوقعها المشروع الاستيطاني بالشعوب الأصلية، والإصرار علي الاحتفاظ بالرواية الاستيطانية التقليدية، يقارن فيراتشيني بين إسرائيل وأستراليا. فكلتا الدولتين قد شهدت رفضاً عاماً ملحوظاً إزاء القبول ببعض النتائج التي تقدمها دراسات المؤرخين الجدد التصحيحيين في إسرائيل وأستراليا، خصوصا إذا تعلقت بتقييم العنف التأسيسي أو المؤسس للمشروع الاستيطاني. ويلاحظ أنه نادراً ما يتغير أي جزء من الرواية الرسمية لتاريخ الكيان الاستيطاني بدون معركة.
يعتبر فيراتشيني أن مستوي العنف الذي مارسه الإسرائيليون ضد الفلسطينيين مؤشر علي اتساع مدي خطة الاستيطان الصهيوني باتجاه طرد العرب من بلادهم، بل ويعتبر مجزرة دير ياسين -وغيرها من المجازر- دليلا علي وجود مخطط كبير للمشروع الاستيطاني باتجاه اقتلاع العرب من فلسطين. ويري المؤلف في مصير مشروع الاستيطان الفرنسي الذي تفكك وانهار في النهاية، واضطرار المستوطنين الفرنسيين إلي الخروج من الجزائر والعودة إلي فرنسا، يري فيه نذيرا ومصيرا محتملا لمستقبل مشروع الاستيطان الصهيوني.
يذكر أن الكتاب لم يؤسس بحثه ونتائجه علي استقراء الثقافات والمصادر المتضادة أو المتقابلة؛ فهو عمل اعتمد بشكل رئيس علي المصادر الإسرائيلية، ولم يرجع إلي المصادر الفلسطينية إلا نادراً. ويشفع له في ذلك، أن المادة الذاتية للمصادر الإسرائيلية هي إسرائيل كمجتمع استيطاني، والصهيونية كمشروع استيطاني. وبينما يدرك هذا العمل أن تحليلات الموقف الفلسطيني لا بد أن تكون واعية بالبعد الكولونيالي، إلا أنه يركز أساسا علي إسرائيل، خاصة من حيث سبل تشكيل الاستيطان لأوضاعها الراهنة.
أهمية هذا الكتاب في أنه نتاج جهد بحثي لأكاديمي غربي ملتزم بالمعايير العلمية الغربية، وهو إضافة جيدة للقليل الذي يصدر باللغة الإنكليزية متحدياً الأكاديمية الزائفة حول قضية فلسطين - بتعبير المفكر الراحل إدوارد سعيد- ومسقطاً بعض الأساطير المؤسسة للكيان الصهيوني ومشروعه الاستيطاني، والتي تسبغ عليه -ما ليس فيه- من قداسة وفرادة وعراقة تاريخية وعبقرية متجاوزة لقدرات البشر. وهو للحق مغامرة أكاديمية لا يجرؤ عليها إلا القليل، كما أنها مهمة علمية تقتضي شجاعة وكفاءة لا يملكها الكثيرون. فمنذ نشوء الكيان الصهيوني برعاية الامبراطوريات الأنجلوسكسونية، أحيط بحصانة لا سابق لها، وغدت الفكرة الصهيونية إحدي البقرات المقدسة في الغرب، خاصة في الولايات المتحدة. وأصبحت تهمة العداء للسامية جاهزة لمن يجرؤ علي انتقاد الكيان الصهيوني من الأغيار، وتهمة كراهية الذات، لو كان المنتقد يهودياً.
رؤية مركبة متعددة الأبعاد
بيد أن للكتاب أهمية أخري. فقد جاء المؤلف بجديد في منهج وطريقة رصد وتحليل الظواهر والشواهد الدالة؛ لكن سبقه إلي هذه النتائج في دراسة الظاهرة اليهودية والصهيونية الدكتور عبدالوهاب المسيري الذي طور أطروحة تفسر الظاهرة؛ فقدم رؤية معرفية، ونماذج تفسيرية، ومراجعة نقدية للمقولات والنماذج التحليلية والمصطلحات السائدة، وانتقل من التفكيك إلي التأسيس.
تخلص هذه الرؤية إلي أن الفكرة الصهيونية ليست جزءا من العقيدة اليهودية، بل هي التجلي الامبريالي للعلمانية الشاملة. فالصهيونية تنزع القداسة عن كل شيء، وتلغي أي تاريخ لفلسطين وشعبها خارج سياق التاريخ اليهودي، كما تختزل خصوصيات وثقافات الجماعات اليهودية في العالم من أجل اختلاق القومية اليهودية. والحقيقة أنه ليس هناك أمة أو قومية يهودية، بل هناك جماعات يهودية متعددة تنتمي بشكل أصيل وحقيقي إلي مجتمعاتها التي عاشت فيها مئات أو آلاف السنين. وافتراض الانفصال أو التمايز بينها وبين مجتمعاتها، انتظارا للهجرة أو العودة إلي أرض الميعاد، أسطورة كبري يدحضها مخزون تاريخي وثقافي يؤكد انتماء هذه الجماعات لمجتمعاتها وأوطانها وثقافاتها. بل كان التمايز قائماً فعلاً بين المستوطنين اليهود القادمين من بلاد مختلفة.
بيد أن الصهيونية ليست مجرد تجسيد للامبريالية الغربية، وإنما هي حركة استيطانية إحلالية تمت في كنف الامبريالية الغربية؛ وبدون ذلك، لم يكن ممكنا وضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ. فقد قامت الامبريالية بنقل كتلة بشرية من أوروبا إلي فلسطين لتحل محل سكانها الأصليين، كما فعلت في مناطق الاستيطان الأخري. وهكذا، لا تاريخ للظاهرة الصهيونية مستقلاً عن الاستعمار الغربي. وبالإمكان فهم الفكرة الصهيونية بشكل أفضل لدي رؤيتها جزءاً من التجربة الغربية.
يبقي الكيان الصهيوني مشروعاً توسعياً، وعنصرياً بطبيعته لأنه يعطي كل الحقوق لأعضاء كتلة بشرية استيطانية، وينكرها علي السكان الأصليين. وكشأن تجارب الاستيطان الإحلالي الأخري، يصبح الاستيطان الصهيوني مشروعا للإبادة. بل إن الإطار المعرفي للصهيونية هو ذاته الإطار المعرفي الامبريالي الغربي من الداروينية، وعبء الرجل الأبيض، إلي تحويل العالم والبشر إلي مادة استعمالية.
لذلك، مهما اختلفت ديباجات الصهيونية عن غيرها من مشروعات الاستيطان الأخري، لتسبغ علي الاستيطان الصهيوني صبغة دينية أو قومية، فذلك لا يغير طبيعة المشروع «الاستعمارية» أساسا. فمعظم المستوطنين الذين اختاروا الهجرة إلي إسرائيل قد جاءوا بدوافع اقتصادية استهلاكية في المقام الأول، وهذا ما أدي لهجرة نحو ربع مليون روسي وأوكراني من غير اليهود إلي إسرائيل في أوائل التسعينيات الماضية، بل وتطغي علي معظم اليهود منهم العلمانية وعدم التقيد بالشرائع الموسوية. ولو كان لهؤلاء المهاجرين الخيار لاختاروا الهجرة لأمريكا الشمالية أو الاتحاد الأوروبي، وهو ما يحاولونه لاحقا بعد الهجرة إلي إسرائيل.
مع تواصل اجتياحات المدن الفلسطينية وأعمال القمع العسكرية الإسرائيلية في الضفة وقطاع غزة ولبنان، وتصاعد وتيرة العنف والتدمير الاستيطاني الصهيوني، ربما نتذكر مدي العنف والمجازر وسفك الدماء الذي طالت عشرات آلاف الضحايا بمدينة القدس الشريف، وقبلها مدينة الله العظمي أنطاكية، علي يد فرسان الفرنجة في العصور الوسطي. تفككت وانهارت مشروعات الاستيطان الأوروبي في الشرق العربي، والتي سماها الأوروبيون «حملات صليبية»، وسماها العرب «حروب الفرنجة»؛ فهي لم تكن أكثر من حروب همجية في سبيل النهب والاستيطان، ولا علاقة لها بأي مقدس.
كان للأمير أسامة بن منقذ، أحد فرسان وقادة العرب آنذاك، علاقات ومشاهدات واسعة لأحوال وفرسان الفرنجة. وعندما سئل عن أحوالهم قال: «إنهم بهائم من الهمج ليس لهم من فضيلة إلا القتال والقتل!».
قراءة الحرب الفرنسية علي الجزائر
والطرق التي أثرت بها علي عملية انتقال
الدولة الفرنسية إلي الجمهورية الخامسة يمكن أن
تلقي ضوءاً علي المواجهات الراهنة في الضفة
الغربية وغزة، وعلي المآزق المؤسسية
والمجادلات الراهنة في إسرائيل.
مستوي العنف الذي
مارسه الإسرائيليون ضد الفلسطينيين
مؤشر علي اتساع مدي خطة الاستيطان الصهيوني
باتجاه طرد العرب من بلادهم
تجاهل هذا الخطاب الاعتذاري
أن الأرض المقدسة لا تفتقر إلي مانديلا
فحسب، بل تفتقر أيضا إلي فردريك دي كليرك،
آخر رئيس لجنوب أفريقيا من الأقلية البيضاء
قام بتفكيك نظام الفصل العنصري.
الصهيونية ليست مجرد
تجسيد للامبريالية الغربية،
وإنما هي حركة استيطانية إحلالية
تمت في كنف الامبريالية الغربية؛ وبدون
ذلك، لم يكن ممكنا وضع المشروع
الصهيوني موضع التنفيذ.